مدارج السالكين

إذا كانت الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا كانت الوفاة خيرًا لي. وأسألك خشيتك في الغيب والشهادة، وأسألك كلمة الحقِّ في الغضب والرِّضا، وأسألك القصد في الفقر والغنى. وأسألك نعيمًا لا ينفد، وأسألك قرّة عينٍ لا تنقطع. وأسألك الرِّضا بعد القضاء. وأسألك برد العيش بعد الموت، وأسألك لذَّة النظر إلى وجهك، والشوقَ إلى لقائك في غير ضرَّاءَ مضرَّةٍ، ولا فتنةٍ مضلَّةٍ. اللهمَّ زيِّنَّا بزينة الإيمان، واجعلنا هداةً مهتدين».

فسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: سأل الرِّضا بعد القضاء لأنَّه حينئذٍ يتبيَّن حقيقة الرِّضا. وأمّا الرِّضا قبله فإنَّما هو عزمٌ على أنَّه يرضى به إذا أصابه، وإنَّما يتحقَّق الرِّضا بعده١.

قال البيهقيُّ٢: وروِّينا في دعاء النبيِّ ﷺ: «اللهمَّ إنِّي أسألك الصحَّة، والعفَّة، والأمانة، وحسن الخلق، والرِّضا بالقدر».

الخامس والخمسون: أنَّ الرِّضا بالقدر يخلِّص العبد من أن يُرضي

  1. (١) انظر: «مجموع الفتاوى» (١٠/ ٣٧) و«الاستقامة» (٢/ ٨٦ - ٨٧). وقد سبق نحوه من كلام أبي عثمان الحيري (ص ٤٨٥).
  2. (٢) في «شعب الإيمان» (١/ ٣٧٥) عقب الحديث (١٩٢). وقد أسنده هو نفسه (٨١٨١)، ومن قبله ابنُ أبي عمر العدني في «مسنده» (المطالب العالية - ٣٣٤٧) والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٠٧) والبزار (كشف الأستار - ٣١٨٧) والطبراني في «الكبير» (١٤/ ٥٠) من حديث عبد الله بن عمرو. وفي إسناده عبد الرحمن بن زياد بن أنعُم الإفريقي، فيه ضعف، وقد اختُلف عليه في إسناده.
553

النّاس بسخط الله. وأن يذمَّهم على ما لم يؤته الله، وأن يحمدهم١ على ما هو محض فضل الله، فيكون ظالمًا لهم في الأوَّل٢ مشركًا بهم في الثاني٣. فإذا رضي بالقضاء تخلَّص من ذلك٤.

وقد روى عمرو بن قيسٍ المُلائيُّ عن عطيَّة العَوفي عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمَّهم على ما لم يؤتك الله. إنَّ رزق الله لا يجرُّه حرص حريصٍ، ولا يردُّه كره كارهٍ. وإنَّ الله بحكمته جعل الرَّوح والفرح في الرِّضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط»٥. وقد رواه الثَّوريُّ عن منصورٍ عن خيثمة عن ابن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ٦.

  1. (١) الأصل: «يحملهم»، وفي هامشه: «لعله: يحمدهم».
  2. (٢) في ع زيادة: «وهو رضاهم وذمُّهم»، ولا إخالها من المؤلف، إذ الظلم في ذمِّهم على ما لم يؤته الله. وأما إرضاؤهم بسخط الله فليس ظلمًا لهم، بل هو أشبه بالشرك بهم.
  3. (٣) في ع زيادة: «وهو حمدهم».
  4. (٤) ع: «تخلَّص من ذمِّهم وحمدهم، فخلَّصه الرضا من ذلك كلِّه».
  5. (٥) أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٦٨ - ٦٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٠٦، ١٠/ ٤١) والبيهقي في «الشعب» (٢٠٣) من طريق أبي عبد الرحمن محمد بن مروان السُّدِّي عن عمرو بن قيس به. إسناده تالف، فالسدي هذا هو السدي الصغير، متروك الحديث بالاتفاق، بل متهم بالكذب. وانظر: «الضعيفة» (١٤٨٢).
  6. (٦) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٤) بإسناد حسن غريب عن الثوري به. وهو مرسل، فإن خيثمة لم يسمع من ابن مسعود. وقد روي أيضًا عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وهو أشبه. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (ص ٤٣٣).
554

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي