مدارج السالكين

النّاس بسخط الله. وأن يذمَّهم على ما لم يؤته الله، وأن يحمدهم١ على ما هو محض فضل الله، فيكون ظالمًا لهم في الأوَّل٢ مشركًا بهم في الثاني٣. فإذا رضي بالقضاء تخلَّص من ذلك٤.

وقد روى عمرو بن قيسٍ المُلائيُّ عن عطيَّة العَوفي عن أبي سعيدٍ الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ من ضعف اليقين: أن تُرضي الناس بسخط الله، وأن تحمدهم على رزق الله، وأن تذمَّهم على ما لم يؤتك الله. إنَّ رزق الله لا يجرُّه حرص حريصٍ، ولا يردُّه كره كارهٍ. وإنَّ الله بحكمته جعل الرَّوح والفرح في الرِّضا واليقين، وجعل الهمَّ والحزن في الشكِّ والسخط»٥. وقد رواه الثَّوريُّ عن منصورٍ عن خيثمة عن ابن مسعودٍ عن النبيِّ ﷺ٦.

  1. (١) الأصل: «يحملهم»، وفي هامشه: «لعله: يحمدهم».
  2. (٢) في ع زيادة: «وهو رضاهم وذمُّهم»، ولا إخالها من المؤلف، إذ الظلم في ذمِّهم على ما لم يؤته الله. وأما إرضاؤهم بسخط الله فليس ظلمًا لهم، بل هو أشبه بالشرك بهم.
  3. (٣) في ع زيادة: «وهو حمدهم».
  4. (٤) ع: «تخلَّص من ذمِّهم وحمدهم، فخلَّصه الرضا من ذلك كلِّه».
  5. (٥) أخرجه أبو عبد الرحمن السلمي في «طبقات الصوفية» (ص ٦٨ - ٦٩) وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ١٠٦، ١٠/ ٤١) والبيهقي في «الشعب» (٢٠٣) من طريق أبي عبد الرحمن محمد بن مروان السُّدِّي عن عمرو بن قيس به. إسناده تالف، فالسدي هذا هو السدي الصغير، متروك الحديث بالاتفاق، بل متهم بالكذب. وانظر: «الضعيفة» (١٤٨٢).
  6. (٦) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» (٢٠٤) بإسناد حسن غريب عن الثوري به. وهو مرسل، فإن خيثمة لم يسمع من ابن مسعود. وقد روي أيضًا عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وهو أشبه. وقد سبق تخريجه مفصَّلًا (ص ٤٣٣).
554

السادس والخمسون: أنَّ الرضا يفرِّغ قلبَه ويُقلُّ همَّه وغمَّه، فيتفرَّغ لعبادة ربِّه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدُّنيا وهمومها وغمومها. كما ذكر ابن أبي الدُّنيا١ عن بشر بن بشَّارٍ المُجاشعيِّ ــ وكان من العابدين ــ قال: قلت لعابدٍ: أوصني، قال: ألقِ نفسك مع القَدَر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرُغ قلبُك وأن يقلَّ همُّك، وإيَّاك أن تسخط ذلك، فيحلَّ بك السخط وأنت عنه في غفلةٍ لا تشعر به.

وقال بعض السلف: ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيبٍ من العيش، فإنَّ التدبير والاختيار يكدِّر على الناس عيشهم٢.

وقال أبو العبَّاس بن عطاءٍ: الفرحُ٣ في تدبير الله لنا، والشقاء كلُّه في تدبيرنا.

وقال سفيان بن عيينة: من لم يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقديره لنفسه٤.

وقال أبو العبَّاس الطُّوسي: من ترك التدبير عاش في راحة٥.

  1. (١) في «الرضا عن الله بقضائه» (٧٢)، ومن طريقه أسنده البيهقي في «الشعب» (٢١٤)، ولعله مصدر المؤلف فيه وفي الآثار والأقوال التالية. وأسنده أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٣٣).
  2. (٢) أسنده البيهقي في «الشعب» (٢١٦) عن أبي العباس بن عطاء الأدمي الصوفي (ت ٣٠٩)، وكذا قوله الآتي.
  3. (٣) في الأصل وغيره: «الفرج» بالجيم، ولعل المثبت هو الصواب.
  4. (٤) «الشعب» (٢١٧)، وأسنده أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (٧/ ٢٧٨).
  5. (٥) «الشعب» (٢١٨)، وأسنده أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (١٠/ ٢١٣).
555

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي