مدارج السالكين

السادس والخمسون: أنَّ الرضا يفرِّغ قلبَه ويُقلُّ همَّه وغمَّه، فيتفرَّغ لعبادة ربِّه بقلبٍ خفيفٍ من أثقال الدُّنيا وهمومها وغمومها. كما ذكر ابن أبي الدُّنيا١ عن بشر بن بشَّارٍ المُجاشعيِّ ــ وكان من العابدين ــ قال: قلت لعابدٍ: أوصني، قال: ألقِ نفسك مع القَدَر حيث ألقاك، فهو أحرى أن يفرُغ قلبُك وأن يقلَّ همُّك، وإيَّاك أن تسخط ذلك، فيحلَّ بك السخط وأنت عنه في غفلةٍ لا تشعر به.

وقال بعض السلف: ذروا التدبير والاختيار تكونوا في طيبٍ من العيش، فإنَّ التدبير والاختيار يكدِّر على الناس عيشهم٢.

وقال أبو العبَّاس بن عطاءٍ: الفرحُ٣ في تدبير الله لنا، والشقاء كلُّه في تدبيرنا.

وقال سفيان بن عيينة: من لم يصلح على تقدير الله لم يصلح على تقديره لنفسه٤.

وقال أبو العبَّاس الطُّوسي: من ترك التدبير عاش في راحة٥.

  1. (١) في «الرضا عن الله بقضائه» (٧٢)، ومن طريقه أسنده البيهقي في «الشعب» (٢١٤)، ولعله مصدر المؤلف فيه وفي الآثار والأقوال التالية. وأسنده أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١٣٣).
  2. (٢) أسنده البيهقي في «الشعب» (٢١٦) عن أبي العباس بن عطاء الأدمي الصوفي (ت ٣٠٩)، وكذا قوله الآتي.
  3. (٣) في الأصل وغيره: «الفرج» بالجيم، ولعل المثبت هو الصواب.
  4. (٤) «الشعب» (٢١٧)، وأسنده أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (٧/ ٢٧٨).
  5. (٥) «الشعب» (٢١٨)، وأسنده أبو نعيم أيضًا في «الحلية» (١٠/ ٢١٣).
555

وقال بعضهم: لا تجد السلامة حتى تكون في التدبير كأهل القبور، وقال: الرِّضاء ترك الخلاف على الله فيما يجريه على العبد١.

وقال عمر بن عبد العزيز: لقد تركَتْني هؤلاء الدعوات وما لي في شيءٍ من الأمور كلِّها أربٌ إلَّا في مواقع قدر الله، وكان كثيرًا ما يدعو: اللهم رضِّني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحبَّ تعجيل شيءٍ أخَّرتَه، ولا تأخير شيءٍ عجَّلتَه٢.

وقال: ما أصبح لي هوًى في شيءٍ سوى ما قضى الله ﷿٣.

وقال شعبة: قال لي يونس بن عبيدٍ: ما تمنَّيت شيئًا قطُّ٤.

وقال الفضيل: الراضي لا يتمنَّى فوق منزلته٥.

وقال ذو النُّون: ثلاثةٌ من أعلام التسليم: مقابلة القضاء بالرِّضا، والصبر عند البلاء، والشُّكر عند الرخاء. وثلاثةٌ من أعلام التفويض: تعطيل إرادتك لمراده، والنظر إلى ما يقع من تدبيره لك، وترك الاعتراض على الحكم. وثلاثةٌ من أعلام التوحيد: رؤية كلِّ شيءٍ من الله، وقبول كلِّ شيءٍ عنه،

  1. (١) «الشعب» (٢١٦، ٢٢٣) عن أبي العباس بن عطاء.
  2. (٢) «الشعب» (٢٢٤)، ومن قبله ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (٤٦).
  3. (٣) «الشعب» (٢٢٥). وسبق أن نقله المؤلف (ص ٥٤٩) من «قوت القلوب» بلفظ آخر، فثَمَّ تخريجه الموسَّع.
  4. (٤) «الشعب» (٢٢٦). وروي ذلك عن شيخه ابن سيرين أيضًا، كما في «المتمنِّين» لابن أبي الدنيا (٦٣) و«المُجالسة» للدِّينَوَري (٤٥٧).
  5. (٥) «الشعب» (٢٢٧)، وأسنده أيضًا ابن أبي الدنيا في «الرضا عن الله بقضائه» (١٦) والسُّلَمي في «تفسيره» (١/ ٢٧٩).
556

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي