وقال بعض العارفين: أصل العبادة ثلاثةٌ: لا تردَّ من أحكامه شيئًا، ولا تسأَلْ غيره حاجة، ولا تدَّخِرْ عنه شيئًا٢.
وسئل ابن سمعون عن الرِّضا؟ فقال: أن ترضى به مدبِّرًا ومختارًا، وترضى عنه قاسمًا ومعطيًا ومانعًا، وترضاه إلهًا ومعبودًا وربًّا٣.
وقال بعض العارفين: الرِّضا ترك الاختيار، وسرور القلب بمرِّ القضاء، وإسقاط التدبير من النفس حتى يحكم الله لها وعليها٤.
وقيل: الراضي من لم يندم على فائتٍ من الدُّنيا، ولم يتأسَّف عليها٥.
ولله القائل٦:
العبد ذو ضجرٍ والربُّ ذو قدرٍوالدَّهر ذو دولٍ والرِّزق مقسومُ
والخير أجمع فيما اختار خالقُناوفي اختيار سواه اللَّوم والشُّومُ
(١) «الشعب» (٢٢٨) بتصرُّف.
(٢) «الشعب» (٢٢٩) عن أبي عبد الله سعيد بن بُريد النِّباجي الزاهد. وأسنده أيضًا أبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٣١٣) والقشيري (٤٦٢).
(٣) «الشعب» (٢٣٠) باختصار وتصرف.
(٤) «الشعب» (٢٣١) عن ابن الفَرَجي الزاهد.
(٥) «الشعب» (٢٣٢) عن أبي عثمان البِيكندي.
(٦) لم أعرفه، قال البيهقي في «الشعب» (٢٥٠) والثعلبي في «تفسيره» (٢٠/ ٤٨٥): أنشدنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن الحبيب (ت ٤٠٦)، قال: أنشدنيهما أبو الفوارس الطبري لبعضهم.
السابع والخمسون: أنَّه إذا لم يرض بالقدر وقع في لوم المقادير، إمَّا بقالبه، وإمَّا بقلبه وحاله؛ ولوم المقادير لومٌ لمقدِّرها. وكذلك يقع في لوم الخلق. والله والناسُ يلومونه، فلا يزال لائمًا ملومًا. وهذا منافٍ للعبوديَّة.
قال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين١، فما قال لي لشيءٍ فعلته: لم فعلته؟ ولا لشيءٍ لم أفعله: ألا فعلته؟ ولا قال لي لشيءٍ كان: ليته لم يكن، ولا لشيءٍ لم يكن: ليته كان. وكان بعض أهله إذا لامني يقول: «دعوه، لو قضي شيءٌ لكان»٢.
وقوله: «لو قضي شيءٌ لكان» يتناول أمرين، أحدهما: ما لم يوجد من مراد العبد، والثاني: ما وُجد ممَّا يكرهه؛ يتناول فوات المحبوب وحصول المكروه، فلو قضي الأوَّل لكان، ولو قضي خلاف الآخر لكان.
فإذا استوت الحالتان بالنِّسبة إلى القضاء، فعبوديَّة العبد: أن يستوي عنده الحالتان بالنِّسبة إلى رضاه. وهذا موجَب العبوديَّة ومقتضاها، يوضِّحه:
الثامن والخمسون: أنَّه إذا استوى الأمران بالنِّسبة إلى رضا الربِّ تعالى، فهذا رضيه لعبده فقدَّره، وهذا لم يرضه فلم يقدِّره= فكمال الموافقة أن يستويا بالنِّسبة إلى العبد، فيرضى ما رضيه له ربُّه في الحالين.
(١) ع: «عشرين سنة»، خطأ.
(٢) الحديث بهذا السياق في «قوت القلوب» (٢/ ٤٢) و«الإحياء» (٤/ ٣٤٦). وطرفه الأول عند البخاري (٢٧٦٨، ٦٠٣٨) ومسلم (٢٣٠٩) بنحوه. وطرفه الأخير أخرجه أحمد (١٣٤١٨) وابن حبان (٧١٧٩) غيرهما بأسانيد فيها ضعف، وقد سبق تخريجه (١/ ٣٠٦ - ٣٠٧).