مدارج السالكين

وأنا غلام فتعرَّفتُ إليه فعرفني، فقلت: يا عمُّ، أنت تدعو للناس١، فلو دعوت لنفسك لردَّ الله عليك بصرك، فتبسَّم ثمَّ قال: يا بُنيَّ، قضاء الله عندي أحبُّ إليَّ من بصري٢.

وقال بعض العارفين: ذنبٌ أذنبته، أنا أبكي منه منذ ثلاثين سنةً. قيل: وما هو؟ قال: قلت لشيءٍ كان ليته لم يكن٣.

وقال بعض السّلف: لو قُرض جسمي٤ بالمقاريض كان أحبَّ إليَّ مِن أن أقول لشيءٍ قضاه الله: ليته لم يقضه٥.

وقيل لعبد الواحد بن زيدٍ: هاهنا رجلٌ قد تعبَّد٦ خمسين سنةً، فقصده فقال: حبيبي، أخبرني عنك، هل قنعتَ به؟ قال: لا. قال: فهل أنستَ به؟ قال: لا. قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا. قال: فإنَّما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم. قال: لولا أنِّي أستحيي منك لأخبرتك أنَّ معاملة خمسين سنةً مدخولة٧. يعني أنَّه لم يقرِّبه فيجعله في مقام المقرَّبين، فيوجده مواجيد العارفين، بحيث يكون مزيده لديه: أعمال القلوب التي يُستعمَل بها٨

  1. (١) في ع زيادة: «فيُشفَون»، وليست في مصدر النقل.
  2. (٢) «قوت القلوب» (٢/ ٤٣)، ولم أجده مسندًا.
  3. (٣) ع: «قلت لشيءٍ قضاه الله ليته لم يقضه أو ليته لم يكن».
  4. (٤) ع: «لحمي» خلافًا لمصدر النقل.
  5. (٥) هذا والذي قبله من «قوت القلوب» (٢/ ٤٣).
  6. (٦) في النسخ عدا ش، ع: «قعد»، والمثبت موافق لمصدر النقل.
  7. (٧) «قوت القلوب» (٢/ ٤٣) و«الإحياء» (٤/ ٣٥٠).
  8. (٨) أي: يُتعامَل بها.
560

كلُّ محبوبٍ مطلوبٍ، لأنَّ القناعة به حال الموقن، والأنس مقام المحبِّ، والرِّضا وصف المتوكِّل. يعني: أنت عنده في مقام١ أصحاب اليمين، فمزيدك عنده مزيد العموم من أعمال الجوارح٢.

وقوله: «إنَّ معاملته مدخولة» يحتمل وجهين:

أحدهما: أنها ناقصةٌ عن أعمال المقرَّبين التي أوجبت لهم هذه الأحوال.

الثاني: أنها لو كانت صحيحةً سالمةً لا علَّة فيها٣، لأثمرت له الأنس والرِّضا والمحبَّة والأحوال العليَّة، فإنَّ الربَّ شكورٌ، إذا وصل إليه عمل عبده جمَّل به ظاهرَه وباطنَه، وأثابه عليه من حقائق المعرفة والإيمان بحسب عمله، فحيث لم يجد له أثرًا في قلبه من الأنس والرِّضا والمحبَّة استدلَّ على أنَّه مدخول غيرُ سالمٍ من الآفات٤.

الحادي والستُّون: أنَّ أعمال الجوارح تضاعف إلى حدٍّ معلومٍ محسوب، وأمَّا أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها. وذلك أنَّ أعمال الجوارح لها حدٌّ تنتهي إليه وتقف عنده، فيكون جزاؤها بحسب حدِّها. وأمَّا أعمال القلوب فهي دائمةٌ متَّصلةٌ، وإن توارى شهود العبد لها.

مثاله: أنَّ المحبَّة والرِّضا حال المحبِّ الرّاضي، لا تفارقه أصلًا وإن

  1. (١) ش، ع: «طبقات»، وإليه غُيِّر المثبت في الأصل.
  2. (٢) «يعني ...» إلخ مقتبس من تعليق المكي على الحكاية.
  3. (٣) زيد في ع: «ولا غش».
  4. (٤) انظر كلام شيخ الإسلام الذي سبق أن نقله المؤلف (ص ٣٠٩).
561

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي