كلُّ محبوبٍ مطلوبٍ، لأنَّ القناعة به حال الموقن، والأنس مقام المحبِّ، والرِّضا وصف المتوكِّل. يعني: أنت عنده في مقام١ أصحاب اليمين، فمزيدك عنده مزيد العموم من أعمال الجوارح٢.
وقوله: «إنَّ معاملته مدخولة» يحتمل وجهين:
أحدهما: أنها ناقصةٌ عن أعمال المقرَّبين التي أوجبت لهم هذه الأحوال.
الثاني: أنها لو كانت صحيحةً سالمةً لا علَّة فيها٣، لأثمرت له الأنس والرِّضا والمحبَّة والأحوال العليَّة، فإنَّ الربَّ شكورٌ، إذا وصل إليه عمل عبده جمَّل به ظاهرَه وباطنَه، وأثابه عليه من حقائق المعرفة والإيمان بحسب عمله، فحيث لم يجد له أثرًا في قلبه من الأنس والرِّضا والمحبَّة استدلَّ على أنَّه مدخول غيرُ سالمٍ من الآفات٤.
الحادي والستُّون: أنَّ أعمال الجوارح تضاعف إلى حدٍّ معلومٍ محسوب، وأمَّا أعمال القلوب فلا ينتهي تضعيفها. وذلك أنَّ أعمال الجوارح لها حدٌّ تنتهي إليه وتقف عنده، فيكون جزاؤها بحسب حدِّها. وأمَّا أعمال القلوب فهي دائمةٌ متَّصلةٌ، وإن توارى شهود العبد لها.
مثاله: أنَّ المحبَّة والرِّضا حال المحبِّ الرّاضي، لا تفارقه أصلًا وإن
(١) ش، ع: «طبقات»، وإليه غُيِّر المثبت في الأصل.
(٢) «يعني ...» إلخ مقتبس من تعليق المكي على الحكاية.
(٣) زيد في ع: «ولا غش».
(٤) انظر كلام شيخ الإسلام الذي سبق أن نقله المؤلف (ص ٣٠٩).
توارى حكمها، فصاحبها في مزيدٍ متَّصل، فمزيد المحبِّ الرّاضي متَّصلٌ بدوام هذه الحال له، فهو في مزيدٍ ولو فترت جوارحه. بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل القيام١.
فإن أنكرت هذا فتأمَّل مزيد نائمٍ بالله وقائم غافلٍ عن الله، فالله سبحانه ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم، لا إلى صور الأعمال، وقيمة العبد: همَّته وإرادته. فمن لا يرضيه غيرُ الله ــ ولو أعطي الدُّنيا بحذافيرها ــ له شأن، ومن يرضيه أدنى حظٍّ من حظوظها له شأن، وإن كانت أعمالهما في الصُّورة واحدة، وقد تكون أعمال هذا٢ أكثرَ وأشقَّ. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألةٍ وهي: هل للرِّضا حدٌّ ينتهي إليه أم لا؟ فقال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقاماتٍ لا حدَّ لها: الزُّهد، والورع، والرِّضا. وخالفه سليمان ابنه ــ وكان عارفًا حتى إنَّ من الناس من كان يقدِّمه على أبيه ــ فقال: بل من تورَّع في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الورع، ومن زهد في غير الله فقد بلغ حدَّ الزُّهد، ومن رضي عن الله في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الرِّضا٣.
(١) زاد في ع: «وأكلِه أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع».
(٢) ع: «أعمال الملتفت إلى الحظوظ».
(٣) أسند قوليهما ابن أبي الدنيا في «الرضاء عن الله بقضائه» (١٠٢) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٨) بنحوه. والمؤلف صادر عن «قوت القلوب» (١/ ٤٤).