توارى حكمها، فصاحبها في مزيدٍ متَّصل، فمزيد المحبِّ الرّاضي متَّصلٌ بدوام هذه الحال له، فهو في مزيدٍ ولو فترت جوارحه. بل قد يكون مزيده في حال سكونه وفتوره أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل النوافل بما لا نسبة بينهما، ويبلغ ذلك بصاحبه إلى أن يكون مزيده في حال نومه أكثر من مزيد كثيرٍ من أهل القيام١.
فإن أنكرت هذا فتأمَّل مزيد نائمٍ بالله وقائم غافلٍ عن الله، فالله سبحانه ينظر إلى القلوب والهمم والعزائم، لا إلى صور الأعمال، وقيمة العبد: همَّته وإرادته. فمن لا يرضيه غيرُ الله ــ ولو أعطي الدُّنيا بحذافيرها ــ له شأن، ومن يرضيه أدنى حظٍّ من حظوظها له شأن، وإن كانت أعمالهما في الصُّورة واحدة، وقد تكون أعمال هذا٢ أكثرَ وأشقَّ. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
وقد اختلف أرباب هذا الشأن في مسألةٍ وهي: هل للرِّضا حدٌّ ينتهي إليه أم لا؟ فقال أبو سليمان الداراني: ثلاث مقاماتٍ لا حدَّ لها: الزُّهد، والورع، والرِّضا. وخالفه سليمان ابنه ــ وكان عارفًا حتى إنَّ من الناس من كان يقدِّمه على أبيه ــ فقال: بل من تورَّع في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الورع، ومن زهد في غير الله فقد بلغ حدَّ الزُّهد، ومن رضي عن الله في كلِّ شيءٍ فقد بلغ حدَّ الرِّضا٣.
(١) زاد في ع: «وأكلِه أكثر من مزيد كثير من أهل الصيام والجوع».
(٢) ع: «أعمال الملتفت إلى الحظوظ».
(٣) أسند قوليهما ابن أبي الدنيا في «الرضاء عن الله بقضائه» (١٠٢) وأبو نعيم في «الحلية» (٩/ ٢٥٨) بنحوه. والمؤلف صادر عن «قوت القلوب» (١/ ٤٤).
وقد اختلفوا في مسألةٍ تتعلَّق بذلك، وهي أهل مقاماتٍ ثلاثةٍ، أحدهم: يحبُّ الموت شوقًا إلى الله ولقائه، والثَّاني: يحبُّ البقاء للخدمة والتقرُّب، والثالث قال: لا أختار شيئًا، بل أرضى بما يختار لي مولاي، إن شاء أحياني وإن شاء أماتني. فتحاكموا إلى بعض العارفين، فقال: صاحب الرِّضا أفضلهم، لأنَّه أقلُّهم فضولًا١.
ولا ريب أنَّ مقام الرِّضا فوق مقام الشّوق والزُّهد في الدُّنيا. بقي النظر في مقامَي الآخَرَين: أيُّهما أعلى؟ فرجَّحت طائفةٌ مقام من أحبَّ الموت، لأنَّه في مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبَّة لقائه؛ ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه٢.
ورجَّحت طائفةٌ مقامَ مريد البقاء لتنفيذ أوامر الربِّ تعالى. واحتجُّوا بأنَّ الأوَّل محبٌّ لحظِّه من الله، وهذا محبٌّ لمراد الله منه، لم يشبع منه ولم يقض منه وطرًا.
قالوا: وهذا حال موسى ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه٣، لا محبَّةً للدُّنيا، ولكن لينفِّذ٤ أوامر الله ومراضيه في الناس، فكأنَّه قال: أنت عبده وأنا عبده، وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره.
(١) «قوت القلوب» (١/ ٤٤). وزاد في ع: «وأقرب إلى السلامة»، وليس في مصدر النقل.
(٢) جزء من حديث عبادة بن الصامت وأبي موسى المتفق عليهما، ورواه مسلم أيضًا عن عائشة وأبي هريرة. البخاري (٦٥٠٧، ٦٥٠٨) ومسلم (٢٦٨٣ - ٢٦٨٦).
(٣) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (١٣٣٩) ومسلم (٢٣٧٢).