وقد اختلفوا في مسألةٍ تتعلَّق بذلك، وهي أهل مقاماتٍ ثلاثةٍ، أحدهم: يحبُّ الموت شوقًا إلى الله ولقائه، والثَّاني: يحبُّ البقاء للخدمة والتقرُّب، والثالث قال: لا أختار شيئًا، بل أرضى بما يختار لي مولاي، إن شاء أحياني وإن شاء أماتني. فتحاكموا إلى بعض العارفين، فقال: صاحب الرِّضا أفضلهم، لأنَّه أقلُّهم فضولًا١.
ولا ريب أنَّ مقام الرِّضا فوق مقام الشّوق والزُّهد في الدُّنيا. بقي النظر في مقامَي الآخَرَين: أيُّهما أعلى؟ فرجَّحت طائفةٌ مقام من أحبَّ الموت، لأنَّه في مقام الشوق إلى لقاء الله ومحبَّة لقائه؛ ومن أحبَّ لقاء الله أحبَّ الله لقاءه٢.
ورجَّحت طائفةٌ مقامَ مريد البقاء لتنفيذ أوامر الربِّ تعالى. واحتجُّوا بأنَّ الأوَّل محبٌّ لحظِّه من الله، وهذا محبٌّ لمراد الله منه، لم يشبع منه ولم يقض منه وطرًا.
قالوا: وهذا حال موسى ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ حين لطم وجه ملك الموت ففقأ عينه٣، لا محبَّةً للدُّنيا، ولكن لينفِّذ٤ أوامر الله ومراضيه في الناس، فكأنَّه قال: أنت عبده وأنا عبده، وأنت في طاعته وأنا في طاعته وتنفيذ أوامره.
(١) «قوت القلوب» (١/ ٤٤). وزاد في ع: «وأقرب إلى السلامة»، وليس في مصدر النقل.
(٢) جزء من حديث عبادة بن الصامت وأبي موسى المتفق عليهما، ورواه مسلم أيضًا عن عائشة وأبي هريرة. البخاري (٦٥٠٧، ٦٥٠٨) ومسلم (٢٦٨٣ - ٢٦٨٦).
(٣) كما في حديث أبي هريرة عند البخاري (١٣٣٩) ومسلم (٢٣٧٢).
(٤) ع: «لتنفيذ».
وحينئذٍ فنقول في الوجه الثاني والستِّون١: حال الراضي المسلِّم ينتظم حاليهما جميعًا، مع زيادة التسليم وترك الاختيار، فإنَّه قد غاب بمراد ربِّه منه من إحيائه وإماتته عن مراده هو من هذين الأمرين. وكلُّ محبٍّ فهو مشتاقٌ إلى لقاء حبيبه، مؤثرٌ لمرضاته٢؛ فقد أخذ بزمام كلٍّ من المقامين، واتَّصف بالحالين، وقال: أحبُّ ذلك إليَّ أحبُّه إليه، لا أتمنَّى غير رضاه، ولا أتخيَّر عليه إلَّا ما يحبُّه ويرضاه. وهذا القدر كافٍ في هذا الموضع. وبالله التوفيق.
فلنرجع إلى شرح كلامه٣.
قال: (الثاني: سقوط الخصومة مع الخلق).
يعني: أنَّ الرِّضا إنَّما يصحُّ بسقوط الخصومة مع الخلق، فإنَّ الخصومة تنافي حال الرِّضا، وتنافي نسبة الأشياء كلِّها إلى من بيده أزمَّة القضاء والقدر. ففي الخصومة آفاتٌ:
أحدها: المنازعة التي تضادُّ الرضا.
الثّاني: نقص التوحيد بنسبة ما يخاصم فيه إلى العبد٤ دون الخالق٥.
الثّالث: نسيان الموجِب والسبب الذي جرَّ إلى الخصومة. فلو رجع
(١) كذا في النسخ. وفي المطبوعات: «الثاني والستين».
(٢) ع: «لمراضيه».
(٣) عن الرضا عن الله ﷿، وأنه يصح بثلاثة شروط، أولها: استواء الحالات عند العبد، وهو الذي أطال المؤلف في شرحه من (ص ٥٢٥) إلى هنا.