مدارج السالكين

﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] أي لا تكون شفاعةٌ فتنفع، وقولِه: ﴿لَا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ [البقرة: ١٢٣] أي لا يكون عدلٌ فيقبل، ونظائره. قال امرؤ القيس١:

على لاحبٍ لا يهتدى لمناره

أي ليس له منارٌ يهتدى له٢.

قال ابن الأنباري: وتأويل الآية: لا يسألون البتَّة، فيخرجهم السُّؤال في بعض الأوقات إلى الإلحاف، فجرى هذا مجرى قولك: فلانٌ لا يرجى خيره، أي ليس له خيرٌ فيرجى.

وقال أبو عليٍّ: لم يثبت في هذه الآية مسألةٌ منهم، لأنَّ المعنى: ليس منهم مسألة فيكونَ منهم إلحافٌ. قال: ومثل ذلك قول الشاعر٣:

لا يُفزِع الأرنبَ أهوالُهاولا ترى الضبَّ بها ينجحرْ

أي ليس بها أرنب فيفزَع لهولها، ولا ضبٌّ فينجحر.

وقال الفرَّاء٤: نفى الإلحاف عنهم، وهو يريد جميع وجوه السُّؤال.

  1. (١) «ديوانه» (ص ٦٦)، والرواية فيه: «بمناره».
  2. (٢) ش، ع: «به».
  3. (٣) البيت لعمرو بن أحمر الباهلي في «ديوانه» (ص ٦٧).
  4. (٤) كما في «معاني القرآن» (١/ ١٨١) بمعناه.
567

فصل

والمسألة في الأصل حرام، وإنَّما أبيحت للحاجة والضرورة، لأنَّها ظلم في حقِّ الربوبيَّة، وظلم في حقِّ المسؤول، وظلم في حقِّ السائل.

أمَّا الأوَّل: فلأنَّه بذَلَ سؤاله وفقره وذلَّه واستعطاءه لغير الله، وذلك نوع عبوديَّة. فوضع المسألة في غير موضعها وأنزلها بغير أهلها، وظلم توحيده وإخلاصه١ وفقره إلى الله وتوكُّله عليه ورضاه بقَسْمه، واستغنى بسؤال الخلق عن مسألته٢، وذلك كلُّه هضم من التوحيد، ويطفئ نوره ويضعف قوَّته.

وأمَّا ظلمه للمسؤول: فلأنَّه سأله ما ليس له عنده، فأوجب له بسؤاله عليه حقًّا لم يكن عليه، وعرَّضه لمشقَّة البذل أو لؤم المنع، فإن أعطاه أعطاه على كراهةٍ، وإن منعه منعه على استحياء٣. هذا إذا سأله ما ليس عليه. وأمَّا إذا سأله حقًّا هو له عنده، لم يدخل في ذلك ولم يظلمه بسؤاله.

وأمَّا ظلمه لنفسه: فإنَّه أراق ماء وجهه، وذلَّ لغير خالقه، وأنزل نفسه أدنى المنزلتين، ورضي لها بأبخس الحالتين، ورضي بإسقاط شرف نفسه وعزِّة تعفُّفِه وراحة قناعته، وباع صبرَه ورضاه وتوكُّله وقَنَعَه٤ بما قسم له

  1. (١) رسمه في الأصل: «أحلاه»، وغير محرر في ل، ومكانه بياض في ج، ن. والمثبت من ش، ع.
  2. (٢) ع: «بسؤال الناس عن مسألة رب الناس».
  3. (٣) زاد في ع: «وإغماض».
  4. (٤) القَنَعُ: هي القناعة.
568

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي