فقلت: ناقتي الياقوتة خير من أوقيةٍ، ولم أسأله. رواه الإمام أحمد وأبو داود١.
وعن خالد بن عديٍّ الجهنيِّ عن رسول الله ﷺ قال: «من جاءه من أخيه معروف من٢ غير إشرافٍ ولا مسألةٍ فليقبَلْه ولا يردَّه، فإنَّما هو رزقٌ ساقه الله إليه». رواه الإمام أحمد٣.
فهذا أحد المعنيين في قوله٤: إنَّ من شرط الرِّضا ترك الإلحاح في المسألة، وهو أليق المعنيين وأولاهما٥، لأنَّه قرنه بترك الخصومة مع الخلق، فلا يخاصمهم في حقِّه ولا يطلب منهم حقوقه.
والمعنى الثاني: أنَّه لا يلحُّ في الدعاء ولا يبالغ فيه، فإنَّ ذلك يقدح في رضاه. وهذا يصحُّ من وجهٍ دون وجهٍ، فيصحُّ إذا كان الداعي يلحُّ في الدُّعاء
(١) أحمد (١١٠٦٠) وأبو داود (١٦٢٨)، وأخرجه أيضًا النسائي (٢٥٩٥) والدارقطني (١٩٨٨)، وإسناده حسن. وقد روي بعضه في «الصحيحين» من طريق آخر عن أبي سعيد، وقد سبق قريبًا. وانظر: «الصحيحة» (٢٣١٤).
(٢) في النسخ عدا ع: «عن»، والمثبت لفظ المصادر.
(٣) في «المسند» (١٧٩٣٦)، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٩٢٥) وابن حبان (٣٤٠٤) والحاكم (٢/ ٦٢)، من حديث بُسر بن سعيد عن خالد بن عدي الجهني. ورجاله ثقات، إلا أن أبا حاتم أعلَّه ــ كما في «العلل» (٦٣١) ــ فقال: «هذا خطأ، إنما يروى عن بُسر بن سعيد، عن ابن الساعدي، عن عُمر عن النبي ﷺ». ومن هذا الوجه أخرجه مسلم (١٠٤٥/ ١١٢). ولحديث عمر طرق أخرى عند البخاري (١٤٧٣، ٧١٦٣، ٧١٦٤) ومسلم (١٠٤٥/ ١١٠، ١١١).
(٤) أي: قول صاحب «المنازل»، ولفظه كما سبق: «وبالخلاص من المسألة والإلحاح».
(٥) في النسخ عدا ج، ن، ع: «وأولاها».
بأغراضه وحظوظه العاجلة. وأمَّا إذا ألحَّ على الله في سؤاله ما فيه رضاه والقرب منه، فإنّ ذلك لا يقدح في مقام الرِّضا أصلًا.
وفي الأثر: «إنَّ الله يحبُّ المُلحِّين في الدعاء»١.
وقال أبو بكرٍ الصدِّيق للنبيِّ ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، قد ألححتَ على ربِّك، كفاك بعض مناشدتك لربِّك٢. فهذا الإلحاح عين العبوديَّة.
وفي «سنن ابن ماجه»٣ من حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يسأل الله يغضب عليه».
فإذا كان سؤاله يُرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافيًا لرضاه، وحقيقة الرِّضا: موافقته سبحانه في رضاه. بل الذي ينافي الرِّضا: أنه يلحُّ عليه متحكِّمًا عليه، متخيِّرًا عليه٤ ما لا يعلم هل يرضيه أم لا؟ كمن يلحُّ على ربِّه في ولاية
(١) روي عن عائشة مرفوعًا، ولا يصحُّ. أخرجه الفارسي في «المعرفة والتأريخ» (٢/ ٤٣١) والعُقيلي في «الضعفاء» (٦/ ٤٣٧) والطبراني في «الدعاء» (٢٠) وابن عدي في «الكامل» (١٠/ ٤٥٣) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٠٦٩) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٧٣) من طرق عن بقية بن الوليد عن يوسف بن السَّفْر ــ صرَّح به بقيةُ في بعض الطرق ودلَّسه في أخرى ــ عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة. إسناده واهٍ بمرة، يوسف بن السفر متروك منكر الحديث، بل متَّهم بالوضع. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٠٨٧) و«الضعيفة» (٦٣٧).
(٢) أخرجه البخاري (٢٩١٥) ــ وفيه موضع الشاهد ــ ومسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس بنحوه.
(٣) برقم (٣٨٢٧)، وأبو صالح هذا ليس السمَّان الزيَّات، صاحب أبي هريرة الثبت، وإنما هو الخُوزي، وفيه لين كما سبق بيانه (ص ٢٨٠).