مدارج السالكين

بأغراضه وحظوظه العاجلة. وأمَّا إذا ألحَّ على الله في سؤاله ما فيه رضاه والقرب منه، فإنّ ذلك لا يقدح في مقام الرِّضا أصلًا.

وفي الأثر: «إنَّ الله يحبُّ المُلحِّين في الدعاء»١.

وقال أبو بكرٍ الصدِّيق للنبيِّ ﷺ يوم بدر: يا رسول الله، قد ألححتَ على ربِّك، كفاك بعض مناشدتك لربِّك٢. فهذا الإلحاح عين العبوديَّة.

وفي «سنن ابن ماجه»٣ من حديث أبي صالحٍ عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من لم يسأل الله يغضب عليه».

فإذا كان سؤاله يُرضيه لم يكن الإلحاح فيه منافيًا لرضاه، وحقيقة الرِّضا: موافقته سبحانه في رضاه. بل الذي ينافي الرِّضا: أنه يلحُّ عليه متحكِّمًا عليه، متخيِّرًا عليه٤ ما لا يعلم هل يرضيه أم لا؟ كمن يلحُّ على ربِّه في ولاية

  1. (١) روي عن عائشة مرفوعًا، ولا يصحُّ. أخرجه الفارسي في «المعرفة والتأريخ» (٢/ ٤٣١) والعُقيلي في «الضعفاء» (٦/ ٤٣٧) والطبراني في «الدعاء» (٢٠) وابن عدي في «الكامل» (١٠/ ٤٥٣) والقضاعي في «مسند الشهاب» (١٠٦٩) والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠٧٣) من طرق عن بقية بن الوليد عن يوسف بن السَّفْر ــ صرَّح به بقيةُ في بعض الطرق ودلَّسه في أخرى ــ عن الأوزاعي عن الزهري عن عروة عن عائشة. إسناده واهٍ بمرة، يوسف بن السفر متروك منكر الحديث، بل متَّهم بالوضع. انظر: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٠٨٧) و«الضعيفة» (٦٣٧).
  2. (٢) أخرجه البخاري (٢٩١٥) ــ وفيه موضع الشاهد ــ ومسلم (١٧٦٣) من حديث ابن عباس بنحوه.
  3. (٣) برقم (٣٨٢٧)، وأبو صالح هذا ليس السمَّان الزيَّات، صاحب أبي هريرة الثبت، وإنما هو الخُوزي، وفيه لين كما سبق بيانه (ص ٢٨٠).
  4. (٤) «متخيرا عليه» سقط من ل.
578

شخصٍ، أو إغنائه، أو قضاء حاجته. فهذا ينافي الرِّضا، لأنَّه ليس على يقينٍ أنَّ مرضاة الربِّ في ذلك.

فإن قيل: فقد يكون للعبد حاجةٌ يباح له سؤالها، فيلحُّ على ربِّه في طلبها حتَّى يُفتَح له من لذيذ مناجاته وسؤاله، والذُّلِّ بين يديه وتملُّقِه، والتوسُّلِ إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وتفريغ القلب له، وعدم تعلُّقه في حاجته بغيره= ما لم يحصل له بدون الإلحاح، فهل يكره له هذا الإلحاح وإن كان المطلوب حظًّا من حظوظه؟

قيل: هاهنا ثلاثة أمورٍ:

أحدها: أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراد ربِّه ورضاه منه، ويجعل الربَّ تعالى وسيلةً إلى مطلوبه، بحيث يكون أهمَّ إليه منه. فهذا ينافي كمال الرِّضا به وعنه.

الثّاني: أن يُفتَح على قلبه حالَ السُّؤال مِن معرفته ومحبَّته والذُّلِّ له والخضوع والتّملُّق ما ينسيه حاجته، ويكون ما فُتح له من ذلك أحبَّ إليه من حاجته بحيث يحبُّ أن تدوم له تلك الحال، وتكون آثر عنده من حاجته، وفرحُه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجِّلت له وفاته ذلك. فهذا لا ينافي رضاه.

قال بعض العارفين: إنَّه لتكون لي الحاجة إلى الله، فأسأله إيَّاها، فيفتح عليَّ من مناجاته ومعرفته والتذلُّل له والتملُّق بين يديه ما أُحبُّ معه أن يؤخِّر قضاءها، وتدوم لي تلك الحال.

وفي أثرٍ: «إنَّ العبد ليدعو ربَّه، فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجةَ عبدي

579

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي