مدارج السالكين

شخصٍ، أو إغنائه، أو قضاء حاجته. فهذا ينافي الرِّضا، لأنَّه ليس على يقينٍ أنَّ مرضاة الربِّ في ذلك.

فإن قيل: فقد يكون للعبد حاجةٌ يباح له سؤالها، فيلحُّ على ربِّه في طلبها حتَّى يُفتَح له من لذيذ مناجاته وسؤاله، والذُّلِّ بين يديه وتملُّقِه، والتوسُّلِ إليه بأسمائه وصفاته وتوحيده، وتفريغ القلب له، وعدم تعلُّقه في حاجته بغيره= ما لم يحصل له بدون الإلحاح، فهل يكره له هذا الإلحاح وإن كان المطلوب حظًّا من حظوظه؟

قيل: هاهنا ثلاثة أمورٍ:

أحدها: أن يفنى بمطلوبه وحاجته عن مراد ربِّه ورضاه منه، ويجعل الربَّ تعالى وسيلةً إلى مطلوبه، بحيث يكون أهمَّ إليه منه. فهذا ينافي كمال الرِّضا به وعنه.

الثّاني: أن يُفتَح على قلبه حالَ السُّؤال مِن معرفته ومحبَّته والذُّلِّ له والخضوع والتّملُّق ما ينسيه حاجته، ويكون ما فُتح له من ذلك أحبَّ إليه من حاجته بحيث يحبُّ أن تدوم له تلك الحال، وتكون آثر عنده من حاجته، وفرحُه بها أعظم من فرحه بحاجته لو عجِّلت له وفاته ذلك. فهذا لا ينافي رضاه.

قال بعض العارفين: إنَّه لتكون لي الحاجة إلى الله، فأسأله إيَّاها، فيفتح عليَّ من مناجاته ومعرفته والتذلُّل له والتملُّق بين يديه ما أُحبُّ معه أن يؤخِّر قضاءها، وتدوم لي تلك الحال.

وفي أثرٍ: «إنَّ العبد ليدعو ربَّه، فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجةَ عبدي

579

وأخِّروها، فإنِّي أحبُّ أن أسمع دعاءه. ويدعوه آخر فيقول الله لملائكته: اقضوا حاجته وعجِّلوها له، فإنِّي أكره صوته»١.

وقد روى الترمذي وغيرُه٢ عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الله يحبُّ أن يُسأل، وأفضل العبادة انتظار الفرج».

وروى أيضًا٣ من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «من سرَّه

  1. (١) أخرجه ابن أبي شيبة (٣٠٥٠٨) بإسناد صحيح عن ثابت البُناني عن عبيد الله بن عبيد مقطوعًا بلفظ: «إن جبريل يوكل بالحوائج، فإذا سأل المؤمن ربَّه، قال: احبس احبس، حبًّا لدُعائه أن يزداد. وإذا سأل الكافر قال: أعطه أعطه، بغضًا لدعائه». وأخرجه البيهقي في «الشعب» (٩٥٦١) من طريق آخر عن ثابت البُناني بلاغًا.
    وروي مرفوعًا ولا يصحُّ. أخرجه الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» (بغية الباحث: ١٠٦٨) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٩٥٦٢) ــ من حديث جابر، وأبو نعيم في في «معرفة الصحابة» (٧١٥٥) من حديث رجل من الأنصار، وإسناد كليهما واهٍ بمرَّة.
  2. (٢) الترمذي (٣٥٧١) وابن عدي في «الكامل» (٣/ ٣٣٦) والطبراني في «الكبير» (١٠/ ١٠١) وفي «الأوسط» (٥١٦٩) والبيهقي في «الشعب» (١٠٨٦) من طريق حماد بن واقد، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله. قال الترمذي: «هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث، وحماد ليس بالحافظ وقد خولف في روايته، فرواه أبو نعيم عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل عن النبي ﷺ مرسلًا، وهو أشبه» اهـ باختصار. وكذا رواه وكيع عن إسرائيل به، أخرجه الطبري في «تفسيره» (٦/ ٦٧٠). وهذا الطريق المحفوظ واهٍ، فإن حكيم بن جبير ضعيف الحديث متروك. وانظر: «الضعيفة» (٤٩٢، ١٥٧٢).
  3. (٣) أي: الترمذي (٣٣٨٢) وضعَّفه بقوله: هذا حديث غريب، وأخرجه أيضًا أبو يعلى (٦٣٩٦) وابن عدي في «الكامل» (٨/ ٤٨٢) والطبراني في «الدعاء» (٤٥) من الطريق نفسه، فيه عُبيد بن واقد، ضعيف، قال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه.
    وأخرجه أبو يعلى (٦٣٩٧) والطبراني في «الدعاء» (٤٤) والحاكم (١/ ٥٤٤) من طريقين آخرين يرتقي بهما إلى درجة الحسن إن شاء الله تعالى.
580

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي