مدارج السالكين

أحبَّ إليه من أن يُسأل العافية. وإنَّ الدُّعاءَ لينفع ممَّا نزل وممَّا لم ينزل، فعليكم عبادَ الله بالدُّعاء».

فإذا كان هذا محبَّة الربِّ للدُّعاء، فلا ينافي الإلحاحُ فيه الرِّضا.

الثالث: أن ينقطع طمعه عن الخلق، ويتعلَّق بربِّه في طلب حاجته، قد أفرده بالطَّلب، لا يلوي على ما وراء ذلك. فهذا قد يُنشئ١ له المصلحةَ مِن نفس الطلب وإفراد الربِّ بالقصد.

والفرق بينه وبين الذي قبله: أنَّ ذلك قد فتح عليه بما هو أحبُّ إليه من حاجته، فهو لا يبالي بفواتها بعد ظفره بما فتح عليه. وبالله التوفيق.

فصل

قال٢: (الدرجة الثالثة: الرِّضا برضا الله، فلا يرى العبد لنفسه سخطًا ولا رضًا، فيبعثه على ترك التحكُّم وحسم الاختيار وإسقاط التمييز ولو أدخل النار).

إنَّما كانت هذه الدرجة أعلى ممَّا قبلها من الدرجات عنده لأنَّها درجة صاحب الجمع، الفاني بربِّه عن نفسه وعمَّا منها، قد غيَّبه شاهدُ رضا الله بالأشياء في وقوعها على مقتضى مشيئته عن شاهد رضاه هو، فيشهد الرِّضا لله ومنه حقيقةً، ويرى نفسه فانيًا ذاهبًا مفقودًا. فهو يستوحش من نفسه، ومن

  1. (١) ش، ع: «تنشأ».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤١).
582

صفاتها، ومن رضاها، ومن سخطها، فهو عاملٌ على التغيُّب عن وجوده وعمَّا منه، مترامٍ إلى العدم المحض، قد تلاشى وجوده ونفسه وصفاتها في وجود مولاه الحقِّ وصفاته وأفعاله، كما يتلاشى ضوء السِّراج الضعيف في جرم الشمس، فغاب برضا ربِّه عن رضاه هو عن ربِّه في أقضيته وأقداره، وغاب بصفات ربِّه عن صفاته، وبأفعاله عن أفعاله، فتلاشى وجوده وصفاته وأفعاله في جنب وجود ربِّه وصفاته، بحيث صار كالعدم المحض.

وفي هذا المقام لا يرى لنفسه رضًا ولا سخطًا. فيوجب له هذا الفناء تركَ التحكُّم على الله بأمرٍ من الأمور، وتركَ التخيُّر عليه، فتذهب مادَّة التحكُّم وتفنى، وتنحسم مادَّة الاختيار وتتلاشى، وعند ذلك يسقط تمييز العبد ويتلاشى. هذا تقرير كلامه.

وبعد، فهاهنا أمران:

أحدهما: أنَّ هذا حالٌ يعرض، لا مقامٌ يُطلَب ويشمَّر إليه. فإنَّ هذه الحال متى عرضت له وارت عنه تمييزَه، ولا يمكن أن يدوم له ذلك، بل يقصر زمنه ويطول ثمَّ يرجع إلى تمييزه وعقله. وصاحب هذه الحال مغلوبٌ: إمَّا سكران بحاله، وإمَّا فانٍ عن وجوده.

والكمال وراء ذلك، وهو أن يكون فناؤه عن إرادته بإرادة ربِّه منه، فيكون باقيًا بوجودٍ آخر غير وجوده الطبيعيِّ، وهو وجودٌ مُطهَّرٌ كائنٌ بالله ولله ومع الله، وصاحبه في مقامِ «فبي يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش»١، قد فني

  1. (١) جزء من الحديث القدسي: «من عادى لي وليًّا»، وقد سبق (١/ ٤٠٨) تخريجه وبيان أن أصله في البخاري دون هذه الزيادة، فإنها لا تثبت.
583

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي