مدارج السالكين

عن وجوده الطبيعيِّ النفسيِّ، وبقي بهذا الوجود العلويِّ القدسيِّ، فيعود عليه تمييزُه وفرقانُه، ورضاه عن ربِّه تعالى، ومقاماتُ إيمانه. وهذا أكمل وأعلى من فنائه عنها كالسكران.

فإن قلت١: فهل يمكن وصولُه إلى هذا المقام من غير درب الفناء، وعبورُه إليه على غير جسره؟

قلت: اختلف في ذلك، فطائفةٌ ظنَّت أنَّه لا يصل إلى البقاء وإلى هذا الوجود المطهَّر إلَّا بعد عبوره على جسر الفناء، فعدُّوه لازمًا من لوازم السَّير إلى الله.

وقالت طائفةٌ: بل يمكن الوصول إلى الله٢ على غير درب الفناء. والفناءُ عندهم عارضٌ٣، لا لازم. وسببه: قوَّة الوارد، وضعفُ المحلِّ، واستجلابُه بتعاطي أسبابه.

والتحقيق: أنَّه لا يصل إلى هذا المقام إلَّا بعد عبوره على جسر الفناء عن مراده بمراد سيِّده، فما لم يحصل له هذا الفناء فلا سبيل له إلى ذلك البقاء. وأمَّا فناؤه عن وجوده، فليس بشرط لذلك البقاء، ولا هو من لوازمه.

وصاحب هذا المقام هو في رضاه عن ربِّه بربِّه لا بنفسه٤، فيرى ذلك

  1. (١) لعل هذا هو الأمر الثاني.
  2. (٢) ع: «البقاء».
  3. (٣) زاد في ع: «من عوارض الطرق».
  4. (٤) زاد في ع: «كما هو في توكله وتفويضه وتسليمه وإخلاصه ومحبته وغير ذلك من أحواله بربِّه لا بنفسه».
584

كلَّه من عين المنَّة والفضل، مستعمَلًا فيه، قد أقيم لا أنَّه قد قام هو به. فهو واقفٌ بين مشهدِ ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ ٢٨﴾ ومشهدِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: ٢٨ - ٢٩]. والله المستعان.

585

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي