مدارج السالكين

وقال: ﴿قَدِيرٌ ٧٧ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل: ٧٨]. وقال: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ١٥١ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا﴾ [البقرة: ١٥١ - ١٥٢].

وقال: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٤]. وقال: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: ٧]. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [إبراهيم: ٥].

وسمَّى نفسه شاكرًا وشَكورًا، وسمَّى الشاكرين بهذين الاسمين، فأعطاهم من وصفه وسمَّاهم باسمه، وحسبك بهذا محبَّةً للشاكرين وفضلًا.

وإعادتُه للشاكر مشكورًا كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان: ٢٢].

ورضا الربِّ عن عبده به كقوله: ﴿وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ﴾ [الزمر: ٧].

وقلَّة أهله في العالمين تدلُّ على أنّهم هم خواصُّه، كقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].

وفي «الصحيح»١ عن النبيِّ ﷺ أنَّه قام حتَّى تورَّمت قدماه، فقيل له:

  1. (١) ع: «الصحيحين»، وهو كذلك فالحديث أخرجه البخاري (٤٨٣٦، ٤٨٣٧) ومسلم (٢٨١٩، ٢٨٢٠) من حديث المغيرة بن شعبة ــ واللفظ له ــ وعائشة.
587

تفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر؟ قال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟».

وقال لمعاذٍ: «والله يا معاذ إنِّي لأحبُّك، فلا تنسَ أن تقول في دبر كلِّ صلاةٍ: اللهمَّ أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»١.

وفي «المسند» و«الترمذي»٢ عن ابن عبَّاس ﵄ أنَّ النبي ﷺ كان يدعو بهؤلاء الكلمات: «اللهمَّ أعنِّي ولا تُعِن عليَّ، وانصرني ولا تنصر عليَّ، وامكر لي ولا تمكر عليَّ، واهدني ويسِّر الهدى لي، وانصرني على من بغى عليّ. ربِّ اجعلني لك شكَّارًا، لك ذكَّارًا، لك رهَّابًا، لك مِطْواعًا، لك مخبتًا، إليك أوَّاهًا منيبًا. ربِّ تقبَّل توبتي، واغسل حَوبتي، وأجب دعوتي، وثبِّت حجَّتي، واهدِ قلبي، وسدِّد لساني، واسْلُل سخيمة صدري».

فصل

وأصل الشُّكر في وضع اللِّسان: ظهور أثر الغذاء في أبدان الحيوان ظهورًا بيِّنًا، يقال: شَكِرت الدابَّةُ تَشْكَر شَكَرًا٣ على وزن (سَمِنت تَسْمَن سِمَنًا): إذا ظهر عليها أثرُ العلف، ودابَّة شَكُور: إذا

  1. (١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود وغيره، وقد سبق تخريجه (١/ ١٢١).
  2. (٢) أحمد (١٩٩٧) والترمذي (٣٥٥١) وقال: حسن صحيح. وأخرجه أيضًا البخاري في «الأدب المفرد» (٦٦٥) وأبو داود (١٥١٠) والنسائي في «الكبرى» (١٠٣٦٨) وابن ماجه (٣٨٣٠) وابن حبان (٩٤٧، ٩٤٨) والحاكم (١/ ٥١٩) والضياء في «المختارة» (١١/ ٦٠ - ٦٣).
  3. (٣) ظاهر تنظير المؤلف أنه: شِكَرًا كعِنَبٍ، ولكنَّ الذي في المعاجم أنه بفتحتين، ولذا قالوا في فعله: إنه كـ (فَرِح). انظر: «النهاية» (٢/ ٤٩٤) و«تاج العروس» (١٢/ ٢٢٨، ٢٢٩).
588

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي