مدارج السالكين

خاسرٌ إلّا من كمَّل قوّتَه العلميّة بالإيمان، وقوّتَه العمليّة بالعمل الصّالح، وكمَّل غيره بالتّوصية له بالحقِّ والصّبر عليه؛ فالحقُّ هو الإيمان والعمل، ولا يتمُّ إلّا بالصَّبر عليه والتَّواصي به= كان١ حقيقًا بالإنسان أن ينفق ساعاتِ عمره بل أنفاسَه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص٢ به من الخسران المبين. وليس ذلك إلّا بالإقبال على القرآن وتفهُّمه وتدبُّره واستخراج كنوزه، وإثارة دفائنه، وصرف العناية إليه، والعكوف بالهمّة عليه؛ فإنّه الكفيل بمصالح العباد في المعاش والمعاد، والمُوصِل لهم إلى سبيل الرّشاد. فالحقيقة، والطّريقة، والأذواق والمواجيد الصّحيحة= كلُّها لا تُقْتبَس إلّا من مشكاته، ولا تُسْتثمَر إلّا من شجراته.

ونحن ــ بعون الله ــ ننبِّه على هذا بالكلام على فاتحة الكتاب وأمِّ القرآن، وعلى بعض ما تضمَّنته هذه السُّورة من هذه المطالب، وما تضمَّنته من الرَّدِّ على جميع أهل البدع والضَّلال، وما تضمَّنته من منازل السَّائرين ومقامات العارفين، والفرقِ بين وسائلها وغاياتها، ومواهبها وكسبيّاتها؛ وبيانِ أنّه لا يقوم غيرُ هذه السُّورة مقامَها، ولا يسُدُّ مسَدَّها، ولذلك لم ينزل٣ في التّوراة ولا في الإنجيل ولا في الزَّبور ولا في القرآن مثلُها. والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله٤.

  1. (١) جواب "فلما كان كمال ... ".
  2. (٢) ج: "يتخلص".
  3. (٣) ج: "تنزل".
  4. (٤) ع: "بالله العظيم".
9

قوله ﷿١: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ١ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ٢ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ٣ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ٤ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ٥ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ٦ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ ٧﴾٢.

هذه السُّورة٣ اشتملت على أمّهات المطالب العالية أتمَّ اشتمالٍ، وتضمَّنتها أكملَ تضمُّنٍ.

فاشتملت على التّعريف بالمعبود ﵎ بثلاثة أسماءٍ، مرجعُ٤ الأسماء الحسنى والصِّفات العليا إليها، ومدارُها عليها. وهي: الله، والرَّبُّ، والرَّحمن. وبنيت السُّورة على الإلهيّة، والرُّبوبيّة، والرّحمة. فـ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ مبنيٌّ على الإلهيّة، و﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ على الرُّبوبيّة، وطلبِ الهداية إلى صِراطه المستقيم٥ بصفة الرّحمة. والحمد يتضمّن الأمور الثّلاثة، فهو المحمود في إلهيّته، وربوبيّته، ورحمته. والثّناء والمجد كمالان لحمده.

  1. (١) في ل هنا علامة اللحق، وفي هامشها: "بعد". يعني: قوله ﷿ بعد الاستعاذة.
  2. (٢) النص: "قوله ﷿ ... " إلى هنا لم يرد في ع. وكأن الثلث الأعلى من الصفحة في ق كان بياضًا، فكُتب فيه فيما بعد "ولا حول ولا قوة إلا بالله" في سطر، ثم "قوله ﷿ ... " إلى آخر السورة. وبقي بياض بقدر أربعة أسطر. وفي ل بياض بقدر سطرين بعد سورة الفاتحة.
  3. (٣) بعدها في ش زيادة: "الكريمة". وفي ع: "اعلم أن هذه السورة".
  4. (٤) ش: "ترجع".
  5. (٥) ع: "صراط مستقيم".
10

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي