والكمال: أن تشهد النِّعمة والمنعم، لأنَّ شكره بحسب شهوده للنِّعمة، فكلَّما كان أتمَّ كان الشُّكر أكمل. والله يحبُّ من عبده أن يشهد نعمه، ويعترف١ بها، ويثني عليه بها، ويحبُّه عليها، لا أن يفنى عنها ويغيب عن شهودها.
وقيل: الشُّكر قيد النِّعم الموجودة، وصيد النِّعم المفقودة.
وشكر العامَّة على المطعم والملبس وقوت الأبدان، وشكر الخاصَّة على التوحيد والإيمان وقوت القلوب٢.
وقال داود: يا ربِّ، كيف أشكرك؟ وشكري نعمةٌ عليَّ مِن عندك تستوجب بها شكرًا، فقال: الآن شكرتني يا داود٣.
وفي أثرٍ آخرَ إسرائيليٍّ: أنَّ موسى قال يا ربِّ، خلقتَ آدم بيديك ونفختَ فيه من روحك، وأسجدت له ملائكتك، وعلَّمته أسماء كلِّ شيءٍ، وفعلتَ وفعلتَ؛ فكيف أطاق شكرك؟ فقال الله ﷿: علم أنَّ ذلك منِّي، فكانت معرفته بذلك شكرًا لي٤.
(١) في ع زيادة: «له».
(٢) نظر فيه المؤلف إلى كلامٍ لأبي عثمان في «القشيرية» (ص ٤٢٧).
(٣) «القشيرية» (ص ٤٢٧). وأسند أحمد في «الزهد» (ص ٩١) وابن أبي الدنيا في «الشكر» (٥) ــ ومن طريقه البيهقي في «الشعب» (٤١٠١) ــ وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٥٦) عن أبي الجَلْد البصري ــ أحد التابعين ــ أنه قرأ في بعض الكتب نحوه.
(٤) «القشيرية» (ص ٤٢٧). وأسنده هنَّاد في «الزهد» (٧٧٧) وابن أبي الدنيا في «الشكر» (١٢) والبيهقي في «الشعب» (٤١١٣) بإسناد ضعيف عن الحسن البصري.
وقيل: الشُّكر التلذُّذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه١.
وقال الجنيد ــ وقد سأله سَرِيٌّ عن الشُّكر ــ وهو صبيٌّ بعدُ: الشُّكر أن لا يستعان بشيءٍ من نعم الله على معاصيه. فقال: من أين لك هذا؟ قال: من مجالستك٢.
وقيل: من قَصُرت يدُه عن المكافاة فليَطُل لسانه بالشكر.
والشُّكر معه٣ المزيد أبدًا، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾[إبراهيم: ٧]، فمتى لم تر حالك في مزيدٍ فاستقبل الشُّكر.
وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله تعالى: «أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب»٤.
وقيل: من كتم النِّعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها. وهذا٥ من قوله: ﷺ «إنَّ الله إذا أنعم على عبدٍ بنعمةٍ أحبَّ أن يرى أثر نعمته
(١) «القشيرية» (ص ٤٢٨) بلا نسبة.
(٢) أسنده أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١١٩) والبيهقي في «الشعب» (٤٢٢٩) والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ١٧٢) والقشيري في «الرسالة» (ص ٤٢٦، ٤٢٨) ــ واللفظ له ــ من طرق عن الجنيد به.
(٣) في جميع النسخ عدا الأصل، ع: «مع»، والظاهر أنه كان كذلك في الأصل ثم أُصلح.