وقيل: الشُّكر التلذُّذ بثنائه على ما لم تستوجب من عطائه١.
وقال الجنيد ــ وقد سأله سَرِيٌّ عن الشُّكر ــ وهو صبيٌّ بعدُ: الشُّكر أن لا يستعان بشيءٍ من نعم الله على معاصيه. فقال: من أين لك هذا؟ قال: من مجالستك٢.
وقيل: من قَصُرت يدُه عن المكافاة فليَطُل لسانه بالشكر.
والشُّكر معه٣ المزيد أبدًا، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾[إبراهيم: ٧]، فمتى لم تر حالك في مزيدٍ فاستقبل الشُّكر.
وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله تعالى: «أهل ذكري أهل مجالستي، وأهل شكري أهل زيادتي، وأهل طاعتي أهل كرامتي، وأهل معصيتي لا أقنِّطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهِّرهم من المعايب»٤.
وقيل: من كتم النِّعمة فقد كفرها، ومن أظهرها ونشرها فقد شكرها. وهذا٥ من قوله: ﷺ «إنَّ الله إذا أنعم على عبدٍ بنعمةٍ أحبَّ أن يرى أثر نعمته
(١) «القشيرية» (ص ٤٢٨) بلا نسبة.
(٢) أسنده أبو نعيم في «الحلية» (١٠/ ١١٩) والبيهقي في «الشعب» (٤٢٢٩) والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ١٧٢) والقشيري في «الرسالة» (ص ٤٢٦، ٤٢٨) ــ واللفظ له ــ من طرق عن الجنيد به.
(٣) في جميع النسخ عدا الأصل، ع: «مع»، والظاهر أنه كان كذلك في الأصل ثم أُصلح.
(٤) سبق تخريجه (ص ٥٣).
(٥) زاد في ع: «مأخوذ».
على عبده»١.
وفي هذا قيل٢:
ومن الرزيَّة أنَّ شكري صامتٌعمَّا فعلتَ وأنَّ برَّك ناطقُ
أأرى الصنيعةَ منك ثمّ أُسِرُّهاإنِّي إذًا لندى الكريم لسارقُ
فصل
وتكلَّم الناس في الفرق بين الحمد والشُّكر أيُّهما أعلى وأفضل؟ وفي الحديث: «الحمد رأس الشُّكر، فمن لم يحمَدِ الله لم يشكُرْه»٣.
والفرق بينهما: أنَّ الشُّكر أعمُّ من جهة أنواعه وأسبابه وأخصُّ من جهة متعلَّقاته، والحمد أعمُّ من جهة المتعلَّقات وأخصُّ من جهة الأسباب.
ومعنى هذا: أنَّ الشُّكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانةً، وباللِّسان ثناءً واعترافًا، وبالجوارح طاعةً وانقيادًا. ومتعلَّقه: النِّعم دون الأوصاف الذاتيَّة،
(١) أخرجه أحمد (١٩٩٣٤) وابن أبي الدنيا في «الشكر» (٥٠) والطبراني (١٨/ ١٣٥) والبيهقي في «السنن» (٣/ ٢٧١) و«شعب الإيمان» (٥٧٨٩) وغيرهم من حديث عمران بن حُصين بإسناد جيِّد. وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه بنحوه، أخرجه أحمد (٦٧٠٨) والترمذي (٢٨١٩) ــ وحسَّنه ــ والحاكم (٤/ ١٣٥) وغيرهم. وله شواهد أخرى، انظر: «نزهة الألباب» للوائلي (٦/ ٣٣٩٤ - ٣٣٩٥) و«أنيس الساري» (١٢١٩).
(٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٤٨١) ــ ومن طريقه الثعلبي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٨) والبيهقي في «الشعب» (٤٠٨٥) والبغوي في «شرح السنة» (١٢٧١) ــ عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو. رجاله ثقات، لكنه منقطع بين قتادة وابن عمرو.