مدارج السالكين

على عبده»١.

وفي هذا قيل٢:

ومن الرزيَّة أنَّ شكري صامتٌعمَّا فعلتَ وأنَّ برَّك ناطقُ
أأرى الصنيعةَ منك ثمّ أُسِرُّهاإنِّي إذًا لندى الكريم لسارقُ

فصل

وتكلَّم الناس في الفرق بين الحمد والشُّكر أيُّهما أعلى وأفضل؟ وفي الحديث: «الحمد رأس الشُّكر، فمن لم يحمَدِ الله لم يشكُرْه»٣.

والفرق بينهما: أنَّ الشُّكر أعمُّ من جهة أنواعه وأسبابه وأخصُّ من جهة متعلَّقاته، والحمد أعمُّ من جهة المتعلَّقات وأخصُّ من جهة الأسباب.

ومعنى هذا: أنَّ الشُّكر يكون بالقلب خضوعًا واستكانةً، وباللِّسان ثناءً واعترافًا، وبالجوارح طاعةً وانقيادًا. ومتعلَّقه: النِّعم دون الأوصاف الذاتيَّة،

  1. (١) أخرجه أحمد (١٩٩٣٤) وابن أبي الدنيا في «الشكر» (٥٠) والطبراني (١٨/ ١٣٥) والبيهقي في «السنن» (٣/ ٢٧١) و«شعب الإيمان» (٥٧٨٩) وغيرهم من حديث عمران بن حُصين بإسناد جيِّد. وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه بنحوه، أخرجه أحمد (٦٧٠٨) والترمذي (٢٨١٩) ــ وحسَّنه ــ والحاكم (٤/ ١٣٥) وغيرهم. وله شواهد أخرى، انظر: «نزهة الألباب» للوائلي (٦/ ٣٣٩٤ - ٣٣٩٥) و«أنيس الساري» (١٢١٩).
  2. (٢) البيتان لأبي تمَّام في «ديوانه» (٢/ ٤٥٤) و«القشيرية» (ص ٤٢٩).
  3. (٣) أخرجه عبد الرزاق (٢٠٤٨١) ــ ومن طريقه الثعلبي في «تفسيره» (٢/ ٣٧٨) والبيهقي في «الشعب» (٤٠٨٥) والبغوي في «شرح السنة» (١٢٧١) ــ عن معمر عن قتادة عن عبد الله بن عمرو. رجاله ثقات، لكنه منقطع بين قتادة وابن عمرو.
593

فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمودٌ على إحسانه وعدله، والشُّكر يكون على الإحسان والنِّعم. فكلُّ ما يتعلَّق به الشُّكر يتعلَّق به الحمدُ من غير عكسٍ. وكلُّ ما يقع به الحمد يقع به الشُّكر من غير عكسٍ، فإنَّ الشُّكر يقع بالجوارح، والحمد بالقلب واللِّسان.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الشُّكر اسمٌ لمعرفة النِّعمة، لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم. ولهذا سمَّى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن شكرًا).

معرفة النِّعمة ركنٌ من أركان الشُّكر، لا أنَّها جملة الشُّكر، كما تقدَّم: أنَّه الاعتراف بها، والثناء عليه بها، والخضوع له ومحبَّته، والعمل بما يرضيه فيها. لكن لمَّا كان معرفتها ركنَ الشُّكرِ الأعظمَ الذي يستحيل وجود الشُّكر بدونه= جعل أحدَهما اسمًا للآخر.

قوله: (لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم)، يعني: أنَّه إذا عرف النِّعمة توصَّل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها. وهذا من جهة معرفة كونها نعمةً، لا من أيِّ جهةٍ عرفها بها. ومتى عرف المُنعم أحبَّه وجدَّ في طلبه، فإنَّ من عرف الله أحبَّه لا محالة، ومن عرف الدُّنيا أبغضها لا محالة.

وعلى هذا يكون قوله: (الشُّكر اسم لمعرفة النِّعمة) مستلزمًا لمعرفة المنعم، ومعرفته تستلزم محبَّته، ومحبَّته تستلزم شكره. فيكون قد ذكر بعض

  1. (١) (ص ٤١).
594

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي