مدارج السالكين

فلا يقال: شكرنا الله على حياته وسمعه وبصره وعلمه، وهو المحمود عليها كما هو محمودٌ على إحسانه وعدله، والشُّكر يكون على الإحسان والنِّعم. فكلُّ ما يتعلَّق به الشُّكر يتعلَّق به الحمدُ من غير عكسٍ. وكلُّ ما يقع به الحمد يقع به الشُّكر من غير عكسٍ، فإنَّ الشُّكر يقع بالجوارح، والحمد بالقلب واللِّسان.

فصل

قال صاحب «المنازل» ﵀١: (الشُّكر اسمٌ لمعرفة النِّعمة، لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم. ولهذا سمَّى الله تعالى الإسلام والإيمان في القرآن شكرًا).

معرفة النِّعمة ركنٌ من أركان الشُّكر، لا أنَّها جملة الشُّكر، كما تقدَّم: أنَّه الاعتراف بها، والثناء عليه بها، والخضوع له ومحبَّته، والعمل بما يرضيه فيها. لكن لمَّا كان معرفتها ركنَ الشُّكرِ الأعظمَ الذي يستحيل وجود الشُّكر بدونه= جعل أحدَهما اسمًا للآخر.

قوله: (لأنَّها السبيل إلى معرفة المنعم)، يعني: أنَّه إذا عرف النِّعمة توصَّل بمعرفتها إلى معرفة المنعم بها. وهذا من جهة معرفة كونها نعمةً، لا من أيِّ جهةٍ عرفها بها. ومتى عرف المُنعم أحبَّه وجدَّ في طلبه، فإنَّ من عرف الله أحبَّه لا محالة، ومن عرف الدُّنيا أبغضها لا محالة.

وعلى هذا يكون قوله: (الشُّكر اسم لمعرفة النِّعمة) مستلزمًا لمعرفة المنعم، ومعرفته تستلزم محبَّته، ومحبَّته تستلزم شكره. فيكون قد ذكر بعض

  1. (١) (ص ٤١).
594

أقسام الشُّكر باللفظ، ونبَّه على سائرها باللُّزوم. وهذا من حُسن١ اختصاره وكمال معرفته وتصوُّره، قدَّس الله روحه.

قال٢: (ومعاني الشُّكر ثلاثة أشياء: معرفة النِّعمة، ثمَّ قبول النِّعمة، ثمَّ الثناء بها. وهو أيضًا من سبل العامَّة).

أمَّا معرفتها فهو إحضارها في الذِّهن ومشاهدتها وتمييزها. فمعرفتها: تحصيلها ذهنًا كما حصلت له خارجًا، إذ كثيرٌ من الناس يُحسَن إليه وهو لا يدري، فلا يصحُّ من هذا الشكرُ.

قوله: (ثمَّ قبول النِّعمة)، قبولها٣ هو تلقِّيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأنَّ وصولها إليه بغير استحقاقٍ منه ولا بذل ثمنٍ، بل يرى نفسه فيها كالطُّفيليِّ، فإنَّ هذا شاهدٌ بقبولها حقيقةً.

قوله: (ثمَّ الثناء بها)، الثناء على المنعم المتعلِّقُ بالنِّعمة نوعان: عامٌّ وخاصٌّ. فالعامُّ: وصفه بالجود والكرم، والبرِّ والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك. والخاصُّ: التّحدُّث بنعمته، والإخبارُ بوصولها إليه من جهته، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].

وفي هذا التحديث المأمور به قولان:

أحدهما: أنّه ذكر النِّعمة والإخبارُ بها وقولُه: أنعم الله عليَّ بكذا وكذا.

  1. (١) في النسخ عدا الأصل، ل: «أحسن».
  2. (٢) (ص ٤١).
  3. (٣) ش: «قبول النعمة».
595

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي