مدارج السالكين

أقسام الشُّكر باللفظ، ونبَّه على سائرها باللُّزوم. وهذا من حُسن١ اختصاره وكمال معرفته وتصوُّره، قدَّس الله روحه.

قال٢: (ومعاني الشُّكر ثلاثة أشياء: معرفة النِّعمة، ثمَّ قبول النِّعمة، ثمَّ الثناء بها. وهو أيضًا من سبل العامَّة).

أمَّا معرفتها فهو إحضارها في الذِّهن ومشاهدتها وتمييزها. فمعرفتها: تحصيلها ذهنًا كما حصلت له خارجًا، إذ كثيرٌ من الناس يُحسَن إليه وهو لا يدري، فلا يصحُّ من هذا الشكرُ.

قوله: (ثمَّ قبول النِّعمة)، قبولها٣ هو تلقِّيها من المنعم بإظهار الفقر والفاقة إليها، وأنَّ وصولها إليه بغير استحقاقٍ منه ولا بذل ثمنٍ، بل يرى نفسه فيها كالطُّفيليِّ، فإنَّ هذا شاهدٌ بقبولها حقيقةً.

قوله: (ثمَّ الثناء بها)، الثناء على المنعم المتعلِّقُ بالنِّعمة نوعان: عامٌّ وخاصٌّ. فالعامُّ: وصفه بالجود والكرم، والبرِّ والإحسان، وسعة العطاء، ونحو ذلك. والخاصُّ: التّحدُّث بنعمته، والإخبارُ بوصولها إليه من جهته، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].

وفي هذا التحديث المأمور به قولان:

أحدهما: أنّه ذكر النِّعمة والإخبارُ بها وقولُه: أنعم الله عليَّ بكذا وكذا.

  1. (١) في النسخ عدا الأصل، ل: «أحسن».
  2. (٢) (ص ٤١).
  3. (٣) ش: «قبول النعمة».
595

قال مقاتلٌ١: يعني اشكر ما ذُكِر من النِّعم عليك في هذه السُّورة مِن: جبر اليتم، والهدى بعد الضَّلالة، والإغناء بعد العيلة.

والتحدُّث بنعمة الله شكرٌ، كما في حديث جابرٍ مرفوعًا: «من صُنع إليه معروفٌ فليَجزِ به، فإن لم يجد ما يجزي فليُثنِ عليه، فإنَّه إذا أثنى عليه فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره، ومن تحلَّى بما لم يُعطَ كان كلابس ثوبَي زورٍ»٢.

فذكر أقسام الخلق الثلاثة: شاكر النِّعمة المثني بها. والجاحد لها الكاتم لها. والمظهر أنَّه من أهلها وليس من أهلها، فهو متحلٍّ بما لم يُعطَه.

وفي أثرٍ آخر مرفوعٍ: «من لم يشكرِ القليلَ لم يشكرِ الكثير، ومن لم يشكرِ الناس لم يشكرِ الله، والتحدُّث بنعمة الله شكر، وتركه كفر، والجماعة رحمةٌ

  1. (١) ابن سليمان في «تفسيره» (٣/ ٤٩٥). والمؤلف صادر عن «المعالم» للبغوي (٤/ ٤٥٨).
  2. (٢) أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» (٢١٥) وأبو داود (٤٨١٣) والترمذي (٢٠٣٤) وابن حبان (٣٤١٥) والبغوي في «المعالم» (٨/ ٤٥٩) ــ واللفظ له ــ من حديث شُرَحبيل بن سعد عن جابر. وشُرحبيل ضعيف، ووقع في رواية الترمذي مكانه «أبو الزبير»، وهو خطأ من أحد الرواة. وله طريق أخرى عن جابر عند أبي داود (٤٨١٤) بلفظ: «مَن أُبلي بلاءً فذكره فقد شكره، وإن كتمه فقد كفره»، وإسناده جيِّد.
    ولأول الحديث شاهد من حديث ابن عمر عند أحمد (٥٣٦٥) وأبي داود (١٦٧٢) والنسائي (٢٥٦٧) والروياني (١٤١٩) وابن حبان (٣٤٠٨) والبيهقي (٤/ ١٩٩) وغيرهم بإسناد صحيح، وفي عامَّة رواياته الأمر بالدعاء له ــ بدل الثناء عليه ــ عند عدم وجود ما يكافئه به. ولآخر الحديث شاهد من حديث أسماء عند البخاري (٥٢١٩) ومسلم (٢١٣٠).
596

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي