مدارج السالكين

وإن أريد أنَّ شهوده لشكره شهودٌ لنعمة الله عليه به، وتوفيقه له فيه، وإذنه له به١ ومشيئته، ومنَّته عليه، فشهد عبوديَّته وقيامَه بها وكونَها بالله= فأيُّ دعوى في هذا؟ وأيُّ علَّةٍ؟

نعم، غايته أنَّه لا يجامع الفناء٢، فكان ماذا؟! أنتم جعلتم الفناء غايةً، فأوجب لكم ما أوجب، وقدَّمتموه على ما قدَّمه الله ورسوله، فتضمَّن ذلك تقديم ما أخَّر، وتأخير ما قدَّم. وإلغاء ما اعتبر، واعتبار ما ألغى. ولولا منَّة الله على الصادقين منكم بتحكيم الرِّسالة والتقيُّد بالشرع لكان أمرًا غير هذا، كما جرى لغير واحدٍ من السالكين على هذه الطريق الخطرة، فلا إله إلَّا الله، كم بها٣ من قتيلٍ وسليبٍ، وجريحٍ وأسيرٍ٤!

وأمَّا أنَّ٥ الشاكر فيه بقيَّةٌ من بقايا رسمه، فيقال: إذا كانت هذه البقيَّة محضَ العبوديَّة ومَرْكبَها والحاملةَ لها، فأيُّ نقصٍ في هذا؟ فإنَّ العبوديَّة لا تقوم بنفسها، وإنَّما تقوم بهذا الرسم، فلا نقصَ في حمل العبوديَّة عليه والسَّير به إلى الله.

نعم، النقص كلُّ النقص: حملُ الشهوة٦ والحظِّ المخالف لمراد الربِّ

  1. (١) ع: «وإرادته» مكان «وإذنه له به».
  2. (٢) زاد في ع: «ولا يخوض تيَّاره».
  3. (٣) ع: «فيها».
  4. (٤) زاد في ع: «وطريد».
  5. (٥) ع: «وأما قولكم: إن».
  6. (٦) ع: «حمل النفس والشهوة».
599

تعالى الدينيِّ١ على هذا الرسم والسَّير به إلى النفس. ولعلَّ العامل على الفناء بهذه المثابة، وهو ملبوس عليه؛ فالعارف يستقصي التفتيش عن كمائن النفس.

وأمَّا قولكم: كيف يشكر من لم يكن من لم يزل؟ فهذا بالشَّطح أليق منه بالمعرفة، فإنَّ من لم يزل إذا أَمَر من لم يكن بالشكر، ورضيه منه وأحبَّه، وأثنى عليه به، واستدعاه واقتضاه منه، وأوجب له به المزيد، وأضافه إليه، واشتقَّ له منه الاسم، وأوقع عليه به الحكم، وأخبر أنَّه غاية رضاه منه، وأمره مع ذلك أن يشهد أنَّ شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه= فهذا شكر من لم يكن لمن لم يزل، وهو محض العبوديَّة.

وأمَّا ضرب مثل كسوة السُّلطان لعبده وأخذِه في الشُّكر له مكافأةً، فهذا من أبطل الأمثلة عقلًا ونقلًا وفطرةً، وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال: (إنَّ شكر المنعم لا يجب عقلًا) ما قال، حتَّى زعم أنَّ شكره قبيحٌ عقلًا ولولا الشرع لما حَسُن الإقدام عليه، وضَرَب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه٢.

وهذا من القياس الفاسد المتضمِّنِ قياسَ الخالق على المخلوق. وبمثله عُبدت الشمس والقمر والأوثان٣، إذ قال المشركون: جناب العظيم لا يُهجَم عليه بغير وسائل ووسائط. وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبُّد وأهل النظر والبحث، والمعصومُ من عصمه الله.

  1. (١) ش: «الذي بني»، تحريف.
  2. (٢) كأنه يشير إلى الآمدي. انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٩٠).
  3. (٣) وفي ذلك يقول ابن سيرين: «أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس». أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٩٥٦) والدارمي (١٩٥).
600

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي