مدارج السالكين

تعالى الدينيِّ١ على هذا الرسم والسَّير به إلى النفس. ولعلَّ العامل على الفناء بهذه المثابة، وهو ملبوس عليه؛ فالعارف يستقصي التفتيش عن كمائن النفس.

وأمَّا قولكم: كيف يشكر من لم يكن من لم يزل؟ فهذا بالشَّطح أليق منه بالمعرفة، فإنَّ من لم يزل إذا أَمَر من لم يكن بالشكر، ورضيه منه وأحبَّه، وأثنى عليه به، واستدعاه واقتضاه منه، وأوجب له به المزيد، وأضافه إليه، واشتقَّ له منه الاسم، وأوقع عليه به الحكم، وأخبر أنَّه غاية رضاه منه، وأمره مع ذلك أن يشهد أنَّ شكره به وبإذنه ومشيئته وتوفيقه= فهذا شكر من لم يكن لمن لم يزل، وهو محض العبوديَّة.

وأمَّا ضرب مثل كسوة السُّلطان لعبده وأخذِه في الشُّكر له مكافأةً، فهذا من أبطل الأمثلة عقلًا ونقلًا وفطرةً، وهو الحجاب الذي أوجب لمن قال: (إنَّ شكر المنعم لا يجب عقلًا) ما قال، حتَّى زعم أنَّ شكره قبيحٌ عقلًا ولولا الشرع لما حَسُن الإقدام عليه، وضَرَب هذا المثل الذي ضربتموه بعينه٢.

وهذا من القياس الفاسد المتضمِّنِ قياسَ الخالق على المخلوق. وبمثله عُبدت الشمس والقمر والأوثان٣، إذ قال المشركون: جناب العظيم لا يُهجَم عليه بغير وسائل ووسائط. وسرت هاتان الرقيقتان فيمن فسد من أهل التعبُّد وأهل النظر والبحث، والمعصومُ من عصمه الله.

  1. (١) ش: «الذي بني»، تحريف.
  2. (٢) كأنه يشير إلى الآمدي. انظر: «الإحكام في أصول الأحكام» (١/ ٩٠).
  3. (٣) وفي ذلك يقول ابن سيرين: «أول من قاس إبليس، وما عبدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس». أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٩٥٦) والدارمي (١٩٥).
600

فيقال: الفرق من وجوهٍ كثيرةٍ جدًّا تفوت الحصر.

منها: أنَّ الملك محتاجٌ فقيرٌ إلى من أنعم عليه، لا يقوم ملكه إلَّا به، فهو محتاجٌ إلى معاوضته بتلك الكسوة ــ مثلًا ــ خدمةً له، وحفظًا له، وذبًّا عنه، وسعيًا في تحصيل مصالحه، فكسوته له من باب المعاوضة والمعاونة، فإذا أخذ في شكره فكأنَّه جعل ذلك ثمنًا لنعمته وليس بثمنٍ لها.

وأمَّا إنعام الربِّ على عبده فإحسانٌ إليه وتفضُّلٌ عليه، ومجرَّد امتنانٍ، لا لحاجةٍ منه إليه، ولا لمعاوضةٍ، ولا لاستعانةٍ به، ولا يتكثَّر١ به من قلَّةٍ، ولا يتعزَّز به من ذلَّةٍ، ولا يتقوَّى به من ضعفٍ؛ سبحانه وبحمده.

وأمرُه له بالشُّكر أيضًا: إنعامٌ آخر عليه، وإحسانٌ منه إليه، إذ منفعة الشُّكر ترجع إلى العبد٢ لا إلى الله، والعبد هو الذي ينتفع بشكره، كما قال تعالى: ﴿شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ﴾ [النمل: ٤٠]، فشكره٣ إحسانٌ منه إلى نفسه، فلا يُذَمُّ ما أتى به من ذلك وإن كان لا يحسن مقابلة المنعم به٤، فإنَّه إنّما هو محسنٌ إلى نفسه بالشُّكر، لا أنّه مكافئٌ به لنعم الربِّ، فالربُّ لا يكافئ أحدٌ٥ نعمه أبدًا، ولا أقلَّها٦؛ فالله أحسَنَ إلى عبده بنعمه،

  1. (١) ع: «ليتكثَّر»، وكذا الأفعال الآتية.
  2. (٢) زاد في ع: «دنيا وآخرةً».
  3. (٣) ع: «فشكر العبد».
  4. (٤) زاد في ع: «ولا يستطيع شكره».
  5. (٥) ع: «فالرب تعالى لا يستطيع أحدٌ أن يكافئ».
  6. (٦) زاد في ع: «ولا أدنى نعمةً من نعمه، فإنه تعالى هو المنعم المتفضل الخالق للشكر والشاكر وما يشكر عليه، فلا يستطيع أحدٌ أن يحصي ثناءً عليه، فإنه هو المحسن إلى عبده ...».
601

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي