مدارج السالكين

وأحسن إليه بأن أوزعه شكرها، فشكرُه نعمةٌ منه١ تحتاج إلى شكرٍ آخر، وهلمَّ جرًّا.

ومن تمام نعمته سبحانه وعظيم برِّه وكرمه وجوده: محبَّته له على هذا الشُّكر، ورضاه منه به، وثناؤه عليه به؛ ومنفعتُه وعائدته٢ مختصَّةٌ بالعبد، لا تعود منفعته على الله. وهذا غاية الكرم الذي لا كرم فوقه، يُنعم عليك ثمَّ يُوزعك شكر النِّعمة ويرضى عنك بذلك، ثمَّ يعيد إليك منفعة شكرك ويجعله سببًا لك لاتصال نعمه والزِّيادة منها٣.

وهذا الوجه وحده يكفي٤، وبه يتنبَّه اللبيب على ما بعده.

وأمَّا كون الشُّهود يسقط الشُّكر، فلعَمْر الله إنَّه إسقاطٌ لحقِّ المشكور بحظِّ المشاهد. نعم، بحظٍّ عظيمٍ متعلِّقٍ بالحقِّ ﷿، لا حظٍّ سفليٍّ متعلِّقٍ بالكائنات، ولكنَّ صاحبه قد سار من حرمٍ إلى حرمٍ.

وكان يقع لي هذا القدر منذ زمانٍ، ولا أتجاسر على التصريح به، لأنَّ أصحابه يرون مَن ذاكرهم به بعين الفرق الأوَّل، فلا يُصغون إليهم البتَّة، لا سيَّما وقد ذاقوا حلاوته ولذَّته، ورأوا تخبيط أهل الفرق الأوَّل وتلوُّثَهم بنفوسهم وعوالمها، وانضاف إلى ذلك أن جعلوه غايةً، فتركَّب من هذه الأمور ما تركَّب. وإذا لاحت الحقائق فليقل القائل ما شاء.

  1. (١) ع: «نعمةٌ من الله أنعم بها عليه».
  2. (٢) ج، ن: «فائدته».
  3. (٣) السياق في ع: «سببًا لتوالي نعمه واتصالها إليك والزيادة على ذلك منها».
  4. (٤) زاد في ع: «اللبيب» هنا، وحذفه من الجملة الآتية.
602

فصل

قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الشُّكر على المحابِّ. وهذا شكرٌ تشاركت فيه المسلمون واليهودُ والنصارى والمجوس. ومن سعة رحمة الباري سبحانه أنه عدَّه شكرًا، ووعد عليه الزِّيادة، وأوجب فيه المثوبة).

إذا عُلِمت حقيقةُ الشكر وأنَّ جزء حقيقته الاستعانةُ بنعم المنعم على طاعته ومرضاته= عُلِم اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة، وأنَّ حقيقة الشُّكر على المحابِّ ليست لغيرهم.

نعم، لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها، كالاعتراف بالنِّعمة والثناء على المنعم بها، فإنَّ جميع الخلق في نعم الله، وكلُّ من أقرَّ بالله وتفرُّدِه بالخلق والإحسان فإنَّه يضيف نعمته إليه، لكنَّ الشأن في تمام حقيقة الشُّكر، وهو الاستعانة بها على مرضاته٢.

وقد عُرف مراد الشيخ، وهو أنَّ هذا شكر مشترك، وهو الاعتراف بنعمه سبحانه، والثناءُ عليه بها، والإحسانُ إلى خلقه منها. وهذا بلا شكٍّ يوجب حفظَها عليهم والمزيدَ منها. فهذا الجزء من الشُّكر مشتركٌ. وقد تكون ثمرته في الدُّنيا بعاجل الثواب، وفي الآخرة بتخفيف العقاب، فإنَّ النار دركاتٌ ودرجاتُ أهلها في العقوبة مختلفة.

  1. (١) «المنازل» (٤١) و«شرح التلمساني» (ص ٢٣٣) واللفظ به أشبه.
  2. (٢) زاد في ع: «وقد كتبت عائشة إلى معاوية أن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلًا إلى معصيته». ولم أجد من أسند كتاب عائشة ﵂ أو ذكره.
603

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي