قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: الشُّكر على المحابِّ. وهذا شكرٌ تشاركت فيه المسلمون واليهودُ والنصارى والمجوس. ومن سعة رحمة الباري سبحانه أنه عدَّه شكرًا، ووعد عليه الزِّيادة، وأوجب فيه المثوبة).
إذا عُلِمت حقيقةُ الشكر وأنَّ جزء حقيقته الاستعانةُ بنعم المنعم على طاعته ومرضاته= عُلِم اختصاص أهل الإسلام بهذه الدرجة، وأنَّ حقيقة الشُّكر على المحابِّ ليست لغيرهم.
نعم، لغيرهم منها بعض أركانها وأجزائها، كالاعتراف بالنِّعمة والثناء على المنعم بها، فإنَّ جميع الخلق في نعم الله، وكلُّ من أقرَّ بالله وتفرُّدِه بالخلق والإحسان فإنَّه يضيف نعمته إليه، لكنَّ الشأن في تمام حقيقة الشُّكر، وهو الاستعانة بها على مرضاته٢.
وقد عُرف مراد الشيخ، وهو أنَّ هذا شكر مشترك، وهو الاعتراف بنعمه سبحانه، والثناءُ عليه بها، والإحسانُ إلى خلقه منها. وهذا بلا شكٍّ يوجب حفظَها عليهم والمزيدَ منها. فهذا الجزء من الشُّكر مشتركٌ. وقد تكون ثمرته في الدُّنيا بعاجل الثواب، وفي الآخرة بتخفيف العقاب، فإنَّ النار دركاتٌ ودرجاتُ أهلها في العقوبة مختلفة.
(١) «المنازل» (٤١) و«شرح التلمساني» (ص ٢٣٣) واللفظ به أشبه.
(٢) زاد في ع: «وقد كتبت عائشة إلى معاوية أن أقل ما يجب للمنعم على من أنعم عليه أن لا يجعل ما أنعم عليه سبيلًا إلى معصيته». ولم أجد من أسند كتاب عائشة ﵂ أو ذكره.
فصل
قال١: (الدرجة الثانية: الشُّكر في المكاره، وهذا ممَّن تستوي عنده الحالات: إظهارًا٢ للرِّضا، وممَّن يميِّز٣ بين الأحوال: كظم الغيظ والشكوى، ورعاية الأدب، وسلوك مسلك العلم. وهذا الشاكر أوَّل من يُدعى إلى الجنَّة).
يعني أن الشُّكر على المكاره أشدُّ وأصعب من الشُّكر على المحابِّ، ولهذا كان فوقه في الدرجة. ولا يكون إلَّا من أحد رجلين:
إمّا رجلٌ لا يميِّز بين الحالات، بل يستوي عنده المكروه والمحبوب، فشكر هذا إظهارٌ منه للرِّضا بما نزل به. وهذا مقام الرِّضا.
الرجل الثاني: من يميِّز بين الأحوال، فهو لا يحبُّ المكروه، ولا يرضى بنزوله به، فإذا نزل به مكروهٌ شكر الله تعالى عليه، فكان شكره كظمًا للغيظ الذي أصابه وسترًا للشكوى، رعايةً٤ منه للأدب وسلوكًا لمسلك العلم، فإنَّ العلم والأدب يأمران بشكر الله على السرَّاء والضرَّاء. فهو يسلك بهذا الشُّكر مسلك العلم، لا أنَّه شاكرٌ لله شكرَ من رضي بقضائه كحال الذي قبله، فالذي قبله أرفع منه.
وإنَّما كان هذا الشّاكر أوَّل من يدعى إلى الجنّة لأنّه قابَلَ المكاره التي
(١) «المنازل» (ص ٤٢).
(٢) ع: «إظهارٌ»، وهو أقرب إلى لفظ «المنازل».
(٣) ل، ع: «لا يميِّز»، وكذا زاد بعضهم «لا» في الأصل فوق السطر، وهو خطأ.