يقابلها أكثر الناس بالجزع والسَّخط، وأوساطُهم بالصبر، وخاصَّتهم بالرِّضا= فقابلها هو بأعلى من ذلك كلِّه، وهو الشُّكر. فكان أسبقهم دخولًا إلى الجنَّة، وأوَّل من يُدعى منهم إليها.
وقسَّم أهلَ هذه الدرجة إلى قسمين: سابقين ومقرَّبين، بحسب انقسامهم إلى من يستوي عنده الحالاتُ من المكروه والمحبوب، فلا يؤثر أحدهما على الآخر، بل قد فني بإيثاره ما يرضى له به ربُّه عمَّا يرضاه هو لنفسه؛ وإلى من يؤثر المحبوب، ولكن إذا نزل به المكروه قابله بالشُّكر.
فصل
قال١: (الدرجة الثالثة: أن لا يشهد العبدُ إلَّا المنعم، فإذا شهد المنعم عُبودةً٢ استعظم منه النِّعمة، وإذا شهده حبًّا استحلى منه الشدَّة، وإذا شهده تفريدًا لم يشهد منه نعمةً ولا شدَّةً).
هذه الدرجة يستغرق صاحبُها بشهود المنعم عن النِّعمة، فلا يتَّسع شهودُه للمنعم ولغيره.
وقسَّم أصحابها إلى ثلاثة أقسامٍ: أصحاب شهود العبوديَّة، وأصحاب شهود الحبِّ، وأصحاب شهود التفريد. وجعل لكلٍّ منهم حكمًا هو أولى به.
فأمَّا شهوده عبوديَّةً، فهو مشاهدة العبد للسيِّد بحقيقة العبوديَّة والملك له، فإنَّ العبيد إذا حضروا بين يدي سيِّدهم، فإنَّهم ينسون ما هم فيه من الجاه
والقرب الذي اختصُّوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبوديَّة وحقِّها وملاحظتهم لسيِّدهم، خوفًا أن يشير إليهم بأمرٍ فيجدَهم غافلين عن ملاحظته. وهذا أمرٌ يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصَّهم.
فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديَّته له، واستغراقِه عن الإحساس بما حصل له منه من١ القرب الذي تميَّز به عن غيره.
فصاحب هذا المشهد إذا أنعم عليه سيِّده في هذه الحال مع قيامه في مقام العبوديَّة= يوجب٢ عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيِّده غاية الاستصغار، مع امتلاء قلبه من محبَّته، فأيُّ إحسانٍ ناله منه في هذه الحالة رآه عظيمًا. والواقع شاهدٌ بهذا في حال المحبِّ الكامل المحبَّة، المستغرقِ في مشاهدة محبوبه، إذا ناوله شيئًا يسيرًا فإنَّه يراه في ذلك المقام عظيمًا جدًّا، ولا يراه غيره كذلك.
القسم الثاني: يشهد الحقَّ شهود محبَّةٍ غالبةٍ قاهرةٍ له، مستغرقٌ في شهوده كذلك٣، فإنَّه يستحلي في هذه الحال الشدَّة منه، لأنَّ المحبَّ يستحلي فعل المحبوب به. وأقلُّ ما في هذا المشهد: أن يخفَّ عليه حملُ الشدائد، إن لم تسمح نفسه باستحلائها.
وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها، كحال الذي كان يُضرَب بالسِّياط ولا يتحرَّك، حتَّى ضرب في الآخر سوطًا فصاح
(١) ل: «في».
(٢) كذا في النسخ، أي: فذلك يوجب عليه.
(٣) كذا في الأصل وغيره، وأخشى أن يكون صوابه: «لذلك».