مدارج السالكين

والقرب الذي اختصُّوا به عن غيرهم باستغراقهم في أدب العبوديَّة وحقِّها وملاحظتهم لسيِّدهم، خوفًا أن يشير إليهم بأمرٍ فيجدَهم غافلين عن ملاحظته. وهذا أمرٌ يعرفه من شاهد أحوال الملوك وخواصَّهم.

فهذا هو شهود العبد للمنعم بوصف عبوديَّته له، واستغراقِه عن الإحساس بما حصل له منه من١ القرب الذي تميَّز به عن غيره.

فصاحب هذا المشهد إذا أنعم عليه سيِّده في هذه الحال مع قيامه في مقام العبوديَّة= يوجب٢ عليه أن يستصغر نفسه في حضرة سيِّده غاية الاستصغار، مع امتلاء قلبه من محبَّته، فأيُّ إحسانٍ ناله منه في هذه الحالة رآه عظيمًا. والواقع شاهدٌ بهذا في حال المحبِّ الكامل المحبَّة، المستغرقِ في مشاهدة محبوبه، إذا ناوله شيئًا يسيرًا فإنَّه يراه في ذلك المقام عظيمًا جدًّا، ولا يراه غيره كذلك.

القسم الثاني: يشهد الحقَّ شهود محبَّةٍ غالبةٍ قاهرةٍ له، مستغرقٌ في شهوده كذلك٣، فإنَّه يستحلي في هذه الحال الشدَّة منه، لأنَّ المحبَّ يستحلي فعل المحبوب به. وأقلُّ ما في هذا المشهد: أن يخفَّ عليه حملُ الشدائد، إن لم تسمح نفسه باستحلائها.

وفي هذا من الحكايات المعروفة عند الناس ما يغني عن ذكرها، كحال الذي كان يُضرَب بالسِّياط ولا يتحرَّك، حتَّى ضرب في الآخر سوطًا فصاح

  1. (١) ل: «في».
  2. (٢) كذا في النسخ، أي: فذلك يوجب عليه.
  3. (٣) كذا في الأصل وغيره، وأخشى أن يكون صوابه: «لذلك».
606

صياحًا شديدًا، فقيل له في ذلك، فقال: العين التي كانت تنظر إليَّ وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم، فلمَّا فقدتُها وجدتُ ألم الضرب١.

وهذه الحال عارضةٌ ليست بلازمة، فإنَّ الطبيعة تأبى استحلاء المُنافي كاستحلاء الموافق. نعم، قد يقوى سلطان المحبَّة حتَّى يستحلي المحبُّ ما يستمرُّه٢ غيره، ويستخفَّ ما يستثقله غيره، وكذلك يأنس بما يستوحش منه الخليُّ، ويستوحش ممَّا يأنس به، ويستلين٣ ما يستوعره. وقوَّة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان المحبَّة وغلبته على قلب المحبِّ.

القسم الثالث: أن يشهده تفريدًا، فإنَّه لا يشهد معه نعمةً ولا شدَّة.

يقول: إنَّ شهود التفريد يُفني الرسم، وهذه حال صاحب الفناء المستغرق فيه، الذي لا يشهد نعمةً ولا بليَّةً، فإنَّه يغيب بمشهوده عن شهوده له، ويفنى به عنه، فكيف يشهد معه نعمةً أو بليَّةً؟ كما قال بعضهم في هذا: من كانت مواهبه لا تتعدَّى يديه فلا واهب ولا موهوب. وذلك مقام الجمع عندهم، وبعضهم يحرِّم العبارة عنه٤.

وحقيقته: اصطلامٌ يرفع إحساس صاحبه برسمه، فضلًا عن رسم غيره، لاستغراقه في مشهوده وغيبته به عمّا سواه، وهذا هو مطلوب القوم.

  1. (١) الحكاية بنحوها في «الفتوحات المكية» (٢/ ٥٢٤).
  2. (٢) أي: يجده مُرًّا.
  3. (٣) ع: «ويستأنس»، تصحيف.
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٢٣٦).
607

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي