مدارج السالكين

صياحًا شديدًا، فقيل له في ذلك، فقال: العين التي كانت تنظر إليَّ وقت الضرب كانت تمنعني من الإحساس بالألم، فلمَّا فقدتُها وجدتُ ألم الضرب١.

وهذه الحال عارضةٌ ليست بلازمة، فإنَّ الطبيعة تأبى استحلاء المُنافي كاستحلاء الموافق. نعم، قد يقوى سلطان المحبَّة حتَّى يستحلي المحبُّ ما يستمرُّه٢ غيره، ويستخفَّ ما يستثقله غيره، وكذلك يأنس بما يستوحش منه الخليُّ، ويستوحش ممَّا يأنس به، ويستلين٣ ما يستوعره. وقوَّة هذا وضعفه بحسب قهر سلطان المحبَّة وغلبته على قلب المحبِّ.

القسم الثالث: أن يشهده تفريدًا، فإنَّه لا يشهد معه نعمةً ولا شدَّة.

يقول: إنَّ شهود التفريد يُفني الرسم، وهذه حال صاحب الفناء المستغرق فيه، الذي لا يشهد نعمةً ولا بليَّةً، فإنَّه يغيب بمشهوده عن شهوده له، ويفنى به عنه، فكيف يشهد معه نعمةً أو بليَّةً؟ كما قال بعضهم في هذا: من كانت مواهبه لا تتعدَّى يديه فلا واهب ولا موهوب. وذلك مقام الجمع عندهم، وبعضهم يحرِّم العبارة عنه٤.

وحقيقته: اصطلامٌ يرفع إحساس صاحبه برسمه، فضلًا عن رسم غيره، لاستغراقه في مشهوده وغيبته به عمّا سواه، وهذا هو مطلوب القوم.

  1. (١) الحكاية بنحوها في «الفتوحات المكية» (٢/ ٥٢٤).
  2. (٢) أي: يجده مُرًّا.
  3. (٣) ع: «ويستأنس»، تصحيف.
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٢٣٦).
607

وقد عرفت أنَّ فوقه مقامًا أعلى منه وأرفعَ وأجلَّ، وهو أن يصطلم بمراده عن غيره، فيكون في حال مشاهدته واستغراقه منفِّذًا لمراده ومراسيمه، ملاحظًا لِما محبوبُه ملاحظٌ له من المرادات والأوامر.

فتأمَّل الآن عبدين بين يدي ملكٍ من ملوك الدُّنيا، وهما على موقفٍ واحدٍ بين يديه، أحدهما مشغولٌ بمشاهدته فانٍ في استغراقه في ملاحظة الملك، ليس فيه متَّسعٌ إلى ملاحظة شيءٍ من أمور الملك البتَّة. وآخر مشغولٌ بملاحظة حركات الملك وكلماته، وأيشٍ أمرُه، ولحظاتِه وخواطرِه، ليرتِّب على كلٍّ من ذلك ما هو مرادٌ للملك.

وتأمَّل قصَّة بعض الملوك الذي كان له غلامٌ يخصُّه بإقباله عليه وإكرامه والحظوة عنده من بين سائر غلمانه، ولم يكن أكثرَهم قيمةً ولا أحسنهم صورةً، فقالوا له في ذلك، فأراد السُّلطان أن يبيِّن لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره، فيومًا من الأيَّام كان راكبًا١ ومعه الحشم، وبالبعد منه جبلٌ عليه ثلج، فنظر السُّلطان إلى ذلك الثلج وأطرق، فركض الغلام فرسه، ولم يعلم القوم لماذا ركض، فلم يلبث أن جاء ومعه شيءٌ من الثلج، فقال السُّلطان: ما أدراك أنِّي أريد الثلج؟ فقال الغلام: لأنَّك نظرت إليه، ونظر السلطان٢ إلى شيءٍ لا يكون عن غير قصدٍ، فقال السُّلطان: إنَّما أخصُّه بإكرامي وإقبالي لأنَّ لكلِّ واحدٍ٣ شغلًا، وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي ــ يعني في

  1. (١) زاد في ع: «في بعض شؤونه».
  2. (٢) ع: «نظر الملوك».
  3. (٣) زاد في ع: «منكم».
608

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي