مدارج السالكين

وقد عرفت أنَّ فوقه مقامًا أعلى منه وأرفعَ وأجلَّ، وهو أن يصطلم بمراده عن غيره، فيكون في حال مشاهدته واستغراقه منفِّذًا لمراده ومراسيمه، ملاحظًا لِما محبوبُه ملاحظٌ له من المرادات والأوامر.

فتأمَّل الآن عبدين بين يدي ملكٍ من ملوك الدُّنيا، وهما على موقفٍ واحدٍ بين يديه، أحدهما مشغولٌ بمشاهدته فانٍ في استغراقه في ملاحظة الملك، ليس فيه متَّسعٌ إلى ملاحظة شيءٍ من أمور الملك البتَّة. وآخر مشغولٌ بملاحظة حركات الملك وكلماته، وأيشٍ أمرُه، ولحظاتِه وخواطرِه، ليرتِّب على كلٍّ من ذلك ما هو مرادٌ للملك.

وتأمَّل قصَّة بعض الملوك الذي كان له غلامٌ يخصُّه بإقباله عليه وإكرامه والحظوة عنده من بين سائر غلمانه، ولم يكن أكثرَهم قيمةً ولا أحسنهم صورةً، فقالوا له في ذلك، فأراد السُّلطان أن يبيِّن لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره، فيومًا من الأيَّام كان راكبًا١ ومعه الحشم، وبالبعد منه جبلٌ عليه ثلج، فنظر السُّلطان إلى ذلك الثلج وأطرق، فركض الغلام فرسه، ولم يعلم القوم لماذا ركض، فلم يلبث أن جاء ومعه شيءٌ من الثلج، فقال السُّلطان: ما أدراك أنِّي أريد الثلج؟ فقال الغلام: لأنَّك نظرت إليه، ونظر السلطان٢ إلى شيءٍ لا يكون عن غير قصدٍ، فقال السُّلطان: إنَّما أخصُّه بإكرامي وإقبالي لأنَّ لكلِّ واحدٍ٣ شغلًا، وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة أحوالي ــ يعني في

  1. (١) زاد في ع: «في بعض شؤونه».
  2. (٢) ع: «نظر الملوك».
  3. (٣) زاد في ع: «منكم».
608

تحصيل مرادي١.

وسمعت بعض الشُّيوخ يقول٢: لو قال ملكٌ لغلامَين له بين يديه، مستغرقَين في مشاهدته والإقبال عليه: اذهبا إلى بلاد عدوِّي، فأوصلا إليهم هذه الكتب، وطالعاني بأحوالهم، وافعلا كيت وكيت؛ فأحدهما مضى٣ لوجهه وبادر ما أُمِر به؛ والآخر قال: أنا لا أدع مشاهدتك، والاستغراقَ فيك٤، ودوامَ النظر إليك، وأشتغلَ٥ بغيرك= لكان هذا جديرًا بمقت الملك له، وبغضه إيَّاه، وسقوطه من عينه؛ إذ هو واقفٌ مع مجرَّد حظِّه من الملك، لا مع مراد الملك منه، بخلاف صاحبه٦.

وسمعته أيضًا يقول: لو أنَّ شخصين ادَّعيا محبَّة محبوبٍ، فجاءا حتى حضرا بين يديه، فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط، وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها؛ فقال: ما تريدان؟ فقال أحدهما: أريد دوام مشاهدتك والاستغراقَ في جمالك، وقال الآخر: أريد تنفيذ أوامرك وتحصيلَ مراضيك، فمرادي منك ما تريده منِّي٧، والآخر قال: مرادي منك تمتُّعي بمشاهدتك؛ أكانا عنده سواءً؟ ومن هو صاحب

  1. (١) «القشيرية» (ص ٤٤٨).
  2. (٢) وقد سبق أن ذكر المؤلف نحو هذا المثال في (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
  3. (٣) زاد في ع: «من ساعته».
  4. (٤) «فيك» من ج، ن.
  5. (٥) ع: «ولا أشتغلُ»، لم يفهم السياق فزاد حرف النفي.
  6. (٦) ع: «صاحبه الأول».
  7. (٧) زاد في ع: «لا ما أريده أنا منك».
609

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي