مدارج السالكين

تحصيل مرادي١.

وسمعت بعض الشُّيوخ يقول٢: لو قال ملكٌ لغلامَين له بين يديه، مستغرقَين في مشاهدته والإقبال عليه: اذهبا إلى بلاد عدوِّي، فأوصلا إليهم هذه الكتب، وطالعاني بأحوالهم، وافعلا كيت وكيت؛ فأحدهما مضى٣ لوجهه وبادر ما أُمِر به؛ والآخر قال: أنا لا أدع مشاهدتك، والاستغراقَ فيك٤، ودوامَ النظر إليك، وأشتغلَ٥ بغيرك= لكان هذا جديرًا بمقت الملك له، وبغضه إيَّاه، وسقوطه من عينه؛ إذ هو واقفٌ مع مجرَّد حظِّه من الملك، لا مع مراد الملك منه، بخلاف صاحبه٦.

وسمعته أيضًا يقول: لو أنَّ شخصين ادَّعيا محبَّة محبوبٍ، فجاءا حتى حضرا بين يديه، فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط، وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها؛ فقال: ما تريدان؟ فقال أحدهما: أريد دوام مشاهدتك والاستغراقَ في جمالك، وقال الآخر: أريد تنفيذ أوامرك وتحصيلَ مراضيك، فمرادي منك ما تريده منِّي٧، والآخر قال: مرادي منك تمتُّعي بمشاهدتك؛ أكانا عنده سواءً؟ ومن هو صاحب

  1. (١) «القشيرية» (ص ٤٤٨).
  2. (٢) وقد سبق أن ذكر المؤلف نحو هذا المثال في (١/ ٤٠٥ - ٤٠٦).
  3. (٣) زاد في ع: «من ساعته».
  4. (٤) «فيك» من ج، ن.
  5. (٥) ع: «ولا أشتغلُ»، لم يفهم السياق فزاد حرف النفي.
  6. (٦) ع: «صاحبه الأول».
  7. (٧) زاد في ع: «لا ما أريده أنا منك».
609

المحبَّة المعلولة١ النفسانيَّة، وصاحب المحبَّة الصحيحة الصادقة٢؟

وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحكي عن بعض العارفين أنَّه قال: الناس يعبدون الله، والصُّوفيَّة٣ يعبدون نفوسهم٤. أراد هذا المعنى٥، وأنَّهم واقفون مع مرادهم من الله، لا مع مراد الله منهم، وهذا عين عبادة النفس.

فليتأمَّل اللبيب هذا الموضع حقَّ التأمُّل، فإنّه محكٌّ وميزان. والله المستعان.

  1. (١) زاد في ع: «المدخولة الناقصة».
  2. (٢) زاد في ع: «التامة الكاملة؟ أهذا أم هذا؟».
  3. (٣) ع: «وبعض الصوفية».
  4. (٤) سبق أن نقله في منزلة التوبة (١/ ٤٠٤).
  5. (٥) زاد في ع: «المتقدم».
610

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي