مدارج السالكين

وفي «الصحيح»١ عنه ﷺ: «إنَّ ممَّا أدرك الناسُ من كلام النُّبوَّة الأولى: إذا لم تستَحْيِ فاصنع ما شئت». وفي هذا قولان:

أحدهما: أنَّه أمرُ تهديدٍ، ومعناه الخبر، أي: من لم يستحي صنع ما شاء.

والثّاني: أنَّه أمر إباحةٍ، أي: انظر إلى الفعل الذي تريد أن تفعله، فإن كان ممَّا لا تستحيي منه فافعله. والأوَّل أصحُّ، وهو قول الأكثرين.

وفي «الترمذيِّ»٢ مرفوعًا: «استحيُوا من الله حقَّ الحياء»، قالوا: إنَّا نستحيي يا رسول الله، قال: «ليس ذلك، ولكنَّ من استحيا من الله حقَّ الحياء فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبلى، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدُّنيا، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقَّ الحياء».

فصل

والحياء من الحياة، ومنه «الحيا» للمطر، لكن هو مقصور. وعلى حسب حياة القلب يكون٣ فيه قوَّةُ خُلُق الحياء، وقلَّةُ الحياء من موت القلب والرُّوح، فكلَّما كان القلب أحيى كان الحياء أتمَّ.

  1. (١) للبخاري (٦١٢٠) من حديث أبي مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري ﵁.
  2. (٢) برقم (٢٤٥٨)، وأخرجه أيضًا أحمد (٣٦٧١) والبزار (٢٠٢٥) وأبو يعلى (٥٠٤٧) والحاكم (٤/ ٣٢٣) من حديث عبد الله بن مسعود بإسناد ضعيف. قال الترمذي: «هذا حديث غريب إنما نعرفه من هذا الوجه».
    وقد روي من وجوه أخرى مرفوعًا بنحوه، ولكنها طرق واهية لا يُفرح بها. انظر: تخريج محققي «المسند» و«أنيس الساري» (٣٥٠٣).
  3. (٣) في النسخ عدا ش، ع: «ويكون». وفي الأصل: «ويكون يكون» مكرَّر.
612

قال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولَّد بينهما حالةٌ تسمَّى الحياء١.

وحقيقته: خلقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حقِّ صاحب الحقِّ.

ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يُستحيا منه٢.

وعمارة القلب بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خيرٌ٣.

وقال ذو النُّون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربِّك. والحبُّ يُنطق، والحياء يُسكت، والخوف يُقلق٤.

وقال السَّرِيُّ: إنَّ الحياء والأنس يَطرُقان القلب، فإن وجدا فيه الزُّهد والورع وإلَّا رحلا٥.

وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله ﷿: «ابنَ آدم، إنَّك ما استحييتَ منِّي أَنْسيتَ

  1. (١) «شعب الإيمان» (٧٣٤٨) و«القشيرية» (ص ٤٩٣). ولعل المؤلف صادر عن «رياض الصالحين» (باب الحياء)، فإن فيه الأحاديث الأربعة الأولى التي ذكرها المؤلف بنفس السياق واللفظ، وفيه قول الجنيد هذا، والقول الآتي في حقيقة الحياء.
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٤٨٩)، وأسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (٨٦٦٢) عن ابن الأعرابي قال: كان يقال.
  3. (٣) أسنده القشيري (ص ٤٨٩) عن ابن عطاء بنحوه.
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٤٨٩). والشطر الأول أسنده البيهقي أيضًا في «الشعب» (٧٣٥٠). والشطر الثاني أسنده ابن عساكر في «تاريخه» (١٧/ ٤٣٠)، وفيه: «والشوق يغلغل (كذا، ولعله: يقلقل)» بدل «الخوف يقلق».
  5. (٥) أسنده القشيري (ص ٤٨٩).
613

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي