قال الجنيد ﵀: الحياء رؤية الآلاء، ورؤية التقصير، فيتولَّد بينهما حالةٌ تسمَّى الحياء١.
وحقيقته: خلقٌ يبعث على ترك القبائح، ويمنع من التفريط في حقِّ صاحب الحقِّ.
ومن كلام بعض الحكماء: أحيوا الحياء بمجالسة من يُستحيا منه٢.
وعمارة القلب بالهيبة والحياء، فإذا ذهبا من القلب لم يبق فيه خيرٌ٣.
وقال ذو النُّون: الحياء وجود الهيبة في القلب مع وحشة ما سبق منك إلى ربِّك. والحبُّ يُنطق، والحياء يُسكت، والخوف يُقلق٤.
وقال السَّرِيُّ: إنَّ الحياء والأنس يَطرُقان القلب، فإن وجدا فيه الزُّهد والورع وإلَّا رحلا٥.
وفي أثرٍ إلهيٍّ يقول الله ﷿: «ابنَ آدم، إنَّك ما استحييتَ منِّي أَنْسيتَ
(١) «شعب الإيمان» (٧٣٤٨) و«القشيرية» (ص ٤٩٣). ولعل المؤلف صادر عن «رياض الصالحين» (باب الحياء)، فإن فيه الأحاديث الأربعة الأولى التي ذكرها المؤلف بنفس السياق واللفظ، وفيه قول الجنيد هذا، والقول الآتي في حقيقة الحياء.
(٢) «القشيرية» (ص ٤٨٩)، وأسنده البيهقي في «شعب الإيمان» (٨٦٦٢) عن ابن الأعرابي قال: كان يقال.
(٣) أسنده القشيري (ص ٤٨٩) عن ابن عطاء بنحوه.
(٤) «القشيرية» (ص ٤٨٩). والشطر الأول أسنده البيهقي أيضًا في «الشعب» (٧٣٥٠). والشطر الثاني أسنده ابن عساكر في «تاريخه» (١٧/ ٤٣٠)، وفيه: «والشوق يغلغل (كذا، ولعله: يقلقل)» بدل «الخوف يقلق».
(٥) أسنده القشيري (ص ٤٨٩).
الناس عيوبَك، وأَنسيت بقاعَ الأرض ذنوبَك، ومحوتُ من أمِّ الكتاب زلَّاتك. وإلَّا ناقشتُك الحساب يوم القيامة»١.
وفي أثرٍ آخر: «أوحى الله إلى عيسى ــ ﵇ ــ: عِظ نفسك، فإن اتعظتَ، وإلَّا فاستحي منِّي أن تعظ الناس»٢.
وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: خمسٌ من علامات الشِّقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلَّة الحياء، والرغبة في الدُّنيا، وطول الأمل٣.
وفي أثرٍ إلهيٍّ: «ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحيي أن أردَّه، ويعصيني ولا يستحيي منِّي»٤.
وقال يحيى بن معاذٍ ﵀: من استحيا من الله مطيعًا استحيا الله٥ منه وهو مذنب٦. وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ. ومعناه: أنَّ من غلب عليه خلق الحياء من الله حتَّى في حال طاعته فقلبُه مطرقٌ بين يديه إطراق مستحيٍ خجلٍ، فإنَّه إذا واقع ذنبًا استحيا الله ﷿ من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه، فيستحيي أن يرى مِن وليِّه ومَن يكرُم عليه ما يشينه عنده. وفي
(١) أسنده البيهقي في «الشعب» (٧٣٦١) والقشيري (ص ٤٩٠) عن أبي سليمان الداراني.
(٢) «القشيرية» (ص ٤٩١). أسنده أحمد في «الزهد» (ص ٧١) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٨٢) عن مالك بن دينار.
(٣) أسنده ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (٢٢١) والبيهقي في «الشعب» (٧٣٥٤) والقشيري (ص ٤٩٢).