مدارج السالكين

الناس عيوبَك، وأَنسيت بقاعَ الأرض ذنوبَك، ومحوتُ من أمِّ الكتاب زلَّاتك. وإلَّا ناقشتُك الحساب يوم القيامة»١.

وفي أثرٍ آخر: «أوحى الله إلى عيسى ــ ﵇ ــ: عِظ نفسك، فإن اتعظتَ، وإلَّا فاستحي منِّي أن تعظ الناس»٢.

وقال الفضيل بن عياضٍ ﵀: خمسٌ من علامات الشِّقوة: القسوة في القلب، وجمود العين، وقلَّة الحياء، والرغبة في الدُّنيا، وطول الأمل٣.

وفي أثرٍ إلهيٍّ: «ما أنصفني عبدي، يدعوني فأستحيي أن أردَّه، ويعصيني ولا يستحيي منِّي»٤.

وقال يحيى بن معاذٍ ﵀: من استحيا من الله مطيعًا استحيا الله٥ منه وهو مذنب٦. وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ. ومعناه: أنَّ من غلب عليه خلق الحياء من الله حتَّى في حال طاعته فقلبُه مطرقٌ بين يديه إطراق مستحيٍ خجلٍ، فإنَّه إذا واقع ذنبًا استحيا الله ﷿ من نظره إليه في تلك الحال لكرامته عليه، فيستحيي أن يرى مِن وليِّه ومَن يكرُم عليه ما يشينه عنده. وفي

  1. (١) أسنده البيهقي في «الشعب» (٧٣٦١) والقشيري (ص ٤٩٠) عن أبي سليمان الداراني.
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٤٩١). أسنده أحمد في «الزهد» (ص ٧١) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٨٢) عن مالك بن دينار.
  3. (٣) أسنده ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (٢٢١) والبيهقي في «الشعب» (٧٣٥٤) والقشيري (ص ٤٩٢).
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٤٩٢) عن بعض الكتب.
  5. (٥) الاسم المعظَّم من ج، ن، ع.
  6. (٦) «القشيرية» (ص ٤٩٢).
614

الشاهد شاهدٌ بذلك، فإنَّ الرجل إذا اطَّلع على أخصِّ الناس به، وأحبِّهم إليه، وأقربهم منه من صاحبٍ أو ولدٍ أو من يحبُّه، وهو يخونه، فإنَّه يلحقه من ذلك الاطِّلاع عليه حياءٌ عجيب، حتَّى كأنَّه هو الجاني، وهذا غاية الكرم.

وقد قيل: إنَّ سبب هذا الحياء أنّه يمثِّل نفسه أنه١ الخائن٢، فيلحقه الحياء، كما إذا شاهد الرجل مضروبًا٣، أو من حَصِر٤ على المنبر عن الكلام، فإنَّه يخجل أيضًا تمثيلًا لنفسه بتلك الحالة.

وهذا قد يقع، ولكنَّ حياء من اطّلع على محبوب له٥ يخونه ليس من هذا، فإنّه لو اطَّلع على غيره ممَّن هو فارغ البال منه لم يلحقه هذا الحياء، ولا قريبٌ منه، وإنَّما يلحقه مقتُه وسقوطه من عينه. وإنَّما سببه ــ والله أعلم ــ شدَّة تعلُّق قلبه ونفسه به، فينزل الوهمُ فعله بمنزلة فعله هو، ولا سيَّما إن قدِّر حصول المكاشفة بينهما، فإنَّ عند حصولها يهيج خُلُق الحياء منه تكرُّمًا، فعند تقديرها ينبعث ذلك الحياء. هذا في حقِّ الشاهد.

وأمَّا حياء الربِّ من عبده ــ ﵎ ــ فذاك نوعٌ آخر، لا تدركه

  1. (١) الأصل، ل، ش: «وهو». ولعل المثبت من ج، ن أولى.
  2. (٢) السياق في ع: «أنه يمثل نفسه في حال طاعته كأنه يعصي الله ﷿، فيستحيي منه في تلك الحال، ولهذا شُرع الاستغفار عقيب الأعمال الصالحة والقُرَب التي يتقرَّب بها العبد إلى الله ﷿. وقيل: إنه يمثل نفسه خائنًا». إقحام لا يمت إلى سياق المؤلف بصلة!
  3. (٣) ع: «رجلًا مضروبًا وهو صديق له».
  4. (٤) في النسخ عدا الأصل، ل: «أُحصر».
  5. (٥) ع: «محبوبه وهو».
615

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي