مدارج السالكين

الشاهد شاهدٌ بذلك، فإنَّ الرجل إذا اطَّلع على أخصِّ الناس به، وأحبِّهم إليه، وأقربهم منه من صاحبٍ أو ولدٍ أو من يحبُّه، وهو يخونه، فإنَّه يلحقه من ذلك الاطِّلاع عليه حياءٌ عجيب، حتَّى كأنَّه هو الجاني، وهذا غاية الكرم.

وقد قيل: إنَّ سبب هذا الحياء أنّه يمثِّل نفسه أنه١ الخائن٢، فيلحقه الحياء، كما إذا شاهد الرجل مضروبًا٣، أو من حَصِر٤ على المنبر عن الكلام، فإنَّه يخجل أيضًا تمثيلًا لنفسه بتلك الحالة.

وهذا قد يقع، ولكنَّ حياء من اطّلع على محبوب له٥ يخونه ليس من هذا، فإنّه لو اطَّلع على غيره ممَّن هو فارغ البال منه لم يلحقه هذا الحياء، ولا قريبٌ منه، وإنَّما يلحقه مقتُه وسقوطه من عينه. وإنَّما سببه ــ والله أعلم ــ شدَّة تعلُّق قلبه ونفسه به، فينزل الوهمُ فعله بمنزلة فعله هو، ولا سيَّما إن قدِّر حصول المكاشفة بينهما، فإنَّ عند حصولها يهيج خُلُق الحياء منه تكرُّمًا، فعند تقديرها ينبعث ذلك الحياء. هذا في حقِّ الشاهد.

وأمَّا حياء الربِّ من عبده ــ ﵎ ــ فذاك نوعٌ آخر، لا تدركه

  1. (١) الأصل، ل، ش: «وهو». ولعل المثبت من ج، ن أولى.
  2. (٢) السياق في ع: «أنه يمثل نفسه في حال طاعته كأنه يعصي الله ﷿، فيستحيي منه في تلك الحال، ولهذا شُرع الاستغفار عقيب الأعمال الصالحة والقُرَب التي يتقرَّب بها العبد إلى الله ﷿. وقيل: إنه يمثل نفسه خائنًا». إقحام لا يمت إلى سياق المؤلف بصلة!
  3. (٣) ع: «رجلًا مضروبًا وهو صديق له».
  4. (٤) في النسخ عدا الأصل، ل: «أُحصر».
  5. (٥) ع: «محبوبه وهو».
615

الأفهام ولا تكيِّفه العقول، فإنَّه حياء كرمٍ وبرٍّ وجودٍ وجلالٍ، فإنَّه حييٌّ كريمٌ يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا١، ويستحيي أن يعذِّب ذا شيبةٍ شابت في الإسلام٢.

وكان يحيى بن معاذٍ ﵀ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحيي هو٣.

وفي أثرٍ: «من استحيا من الله استحيا الله منه»٤.

وقد قُسِّم الحياء على عشرة أوجهٍ: حياء جنايةٍ، وحياء تقصيرٍ، وحياء جلالٍ٥، وحياء كرمٍ، وحياء حشمةٍ، وحياء استصغارٍ للنفس واحتقارٍ لها،

  1. (١) يشير إلى حديث سلمان عند أحمد (٢٣٧١٤) وأبي داود (١٤٨٨) والترمذي (٣٥٥٦) وابن حبان (٨٧٦) والحاكم (١/ ٤٨٧، ٥٣٥) وغيرهم مرفوعًا وموقوفًا، والصواب: الموقوف، بل في رواية صحيحة عند البيهقي في «الأسماء والصفات» (١٥٦) أنه قال: «أجد في التوراة أن الله حيي كريم ...» إلخ.
  2. (٢) لعله يشير إلى أنس مرفوعًا: «يقول الله: إني لأستحيي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام فأعذبهما بعد ذلك». أخرجه ابن أبي الدنيا في «العمر والشيب» (٢) والحارث (بغية الباحث: ١٠٨٤) وأبو يعلى (٢٧٦٤) والدينوري في «المجالسة» (٣٤١١) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧) وغيرهم من طريقين واهيين بمرَّة. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٢٧٩) و«الضعيفة» للألباني (٥٨٨٣).
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٤٩٢).
  4. (٤) لم أقف عليه، ولكن يغني عنه قوله ﷺ في قصة النفر الثلاثة الذين أقبلوا على مجلسه ﷺ فجلس اثنان وذهب واحد: «وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه». أخرجه البخاري (٦٦) ومسلم (٢١٧٦) من حديث أبي واقد الليثي.
  5. (٥) كذا في جميع النسخ، وسيأتي قريبًا بلفظ «الإجلال».
616

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي