مدارج السالكين

الأفهام ولا تكيِّفه العقول، فإنَّه حياء كرمٍ وبرٍّ وجودٍ وجلالٍ، فإنَّه حييٌّ كريمٌ يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردَّهما صفرًا١، ويستحيي أن يعذِّب ذا شيبةٍ شابت في الإسلام٢.

وكان يحيى بن معاذٍ ﵀ يقول: سبحان من يذنب عبده ويستحيي هو٣.

وفي أثرٍ: «من استحيا من الله استحيا الله منه»٤.

وقد قُسِّم الحياء على عشرة أوجهٍ: حياء جنايةٍ، وحياء تقصيرٍ، وحياء جلالٍ٥، وحياء كرمٍ، وحياء حشمةٍ، وحياء استصغارٍ للنفس واحتقارٍ لها،

  1. (١) يشير إلى حديث سلمان عند أحمد (٢٣٧١٤) وأبي داود (١٤٨٨) والترمذي (٣٥٥٦) وابن حبان (٨٧٦) والحاكم (١/ ٤٨٧، ٥٣٥) وغيرهم مرفوعًا وموقوفًا، والصواب: الموقوف، بل في رواية صحيحة عند البيهقي في «الأسماء والصفات» (١٥٦) أنه قال: «أجد في التوراة أن الله حيي كريم ...» إلخ.
  2. (٢) لعله يشير إلى أنس مرفوعًا: «يقول الله: إني لأستحيي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام فأعذبهما بعد ذلك». أخرجه ابن أبي الدنيا في «العمر والشيب» (٢) والحارث (بغية الباحث: ١٠٨٤) وأبو يعلى (٢٧٦٤) والدينوري في «المجالسة» (٣٤١١) وأبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٣٨٦ - ٣٨٧) وغيرهم من طريقين واهيين بمرَّة. انظر: «الموضوعات» لابن الجوزي (١/ ٢٧٩) و«الضعيفة» للألباني (٥٨٨٣).
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٤٩٢).
  4. (٤) لم أقف عليه، ولكن يغني عنه قوله ﷺ في قصة النفر الثلاثة الذين أقبلوا على مجلسه ﷺ فجلس اثنان وذهب واحد: «وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه». أخرجه البخاري (٦٦) ومسلم (٢١٧٦) من حديث أبي واقد الليثي.
  5. (٥) كذا في جميع النسخ، وسيأتي قريبًا بلفظ «الإجلال».
616

وحياء محبَّةٍ، وحياء عبوديَّةٍ، وحياء شرفٍ وعزَّةٍ، وحياء المستحيي من نفسه١.

فأمَّا حياء الجناية: فمنه حياء آدم لمَّا فرَّ هاربًا في الجنَّة، قال الله: أفرارًا منِّي يا آدم؟ قال: لا يا ربِّ، بل حياءً منك٢.

وحياء التقصير: كحياء الملائكة الذين يسبِّحون الليل والنهار لا يفترون، فإذا كان يوم القيامة قالوا: سبحانك! ما عبدناك حقَّ عبادتك٣.

  1. (١) ذكر القشيري (ص ٤٩١ - ٤٩٢) سبعة أنواع، تابعه المؤلف في الستة الأولى، والسابع: حياء الإنعام، وفسَّره بحياء الرب سبحانه.
  2. (٢) «القشيرية» (ص ٤٩١). أخرجه ابن سعد في «الطبقات» (١/ ١٥) والحاكم (٢/ ٢٦٢) عن الحسن عن عُتَيِّ بن ضَمْرة عن أبي بن كعب مرفوعًا. قال الحاكم: «صحيح الإسناد». ظاهره كذلك، ولكنه معلول بالاختلاف عن الحسن فيه، فروي عنه مسندًا كما سبق، وروي عنه مقطوعًا، وعنه عن أُبي بن كعب مرفوعًا، وعنه عن أُبي موقوفًا. والموقوف أصحُّ على انقطاع فيه بين الحسن وأُبي. انظر: «الزهد» لأحمد (ص ٦٣) و«الرقة والبكاء» لابن أبي الدنيا (٣٠٢) و«تعظيم قدر الصلاة» للمروزي (٨٥٣) و«تفسير الطبري» (١٠/ ١١١، ١١٣) و«تاريخ دمشق» (٧/ ٤٠٥، ٤٠٦) و«تفسير ابن كثير» (الأعراف: ٢٢، طه: ١٢٠).
    وروي أيضًا عن مجاهد مقطوعًا من قوله، أخرجه ابن أبي الدنيا في «الرقة» (٣٢٦) وفي «العقوبات» (١٠٥) وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ١١٣) بإسناد حسن.
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٤٩١). وأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (١٣٥٧) وابن الأعرابي في «معجمه» (١٨٢٧) والآجري في «الشريعة» (٨٩٤، ٨٩٥) عن سلمان الفارسي موقوفًا عليه من قوله، وإسناده صحيح. وأخرجه الحاكم (٤/ ٥٨٦) عن سلمان مرفوعًا، وهو خطأ من بعض الرواة، والصواب الوقف.
    وروي أيضًا من حديث جابر مرفوعًا عند الطبراني في «الكبير» (٢/ ١٨٤) «والأوسط» (٣٥٦٨) وأبي نعيم في «معرفة الصحابة» (١٤٠٣)، وإسناده ضعيف.
617

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي