وحياء الإجلال: هو حياء المعرفة، وعلى حسب معرفة العبد بربِّه يكون حياؤه منه.
وحياء الكرم: كحياء النبيِّ ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطوَّلوا عنده، فقام واستحيا أن يقول لهم: انصرفوا١.
وحياء الحشمة: كحياء عليِّ بن أبي طالبٍ أن يسأل رسول الله ﷺ عن المذي لمكان ابنته منه٢.
وحياء الاستحقار واستصغار النفس: كحياء العبد من ربِّه حين يسأله حوائجه، احتقارًا لشأن نفسه واستصغارًا لها. وفي أثرٍ إسرائيليٍّ: إنَّ موسى قال: يا ربِّ، إنّه لتعرض لي الحاجة من الدُّنيا، فأستحيي أن أسألك يا ربِّ، فقال الله تعالى: «سلني حتَّى ملح عجينك وعلف شاتك»٣.
وقد يكون لهذا النوع من الحياء سببان. أحدهما: استحقار السائل نفسه٤. والثاني: استعظامه مسؤولَه.
وأمَّا حياء المحبة: فهو حياء المحبِّ من محبوبه، حتَّى إنَّه إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياء من قلبه، وأحسَّ به في وجهه، ولا يدري٥ ما
(١) كما في حديث أنس عند البخاري (٥١٦٣) ومسلم (١٣٦٥/ ٨٧ عقب الحديث ١٤٢٧).
(٢) كما في حديثه عند البخاري (٢٦٩) ومسلم (٣٠٣).
(٣) «القشيرية» (ص ٤٩٢).
(٤) زاد في ع: «واستعظام ذنوبه وخطاياه».
(٥) ش: «يدرك».
سببه. وكذلك يعرض للمحبِّ عند ملاقاته محبوبه ومناجاته له روعةٌ شديدةٌ، ومنه قولهم: جمالٌ رائع. وسبب هذا الحياء والرَّوعة ممَّا لا يعرفه أكثر الناس. ولا ريب أنَّ للمحبة سلطانًا قاهرًا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن، فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك؟ ولذلك تعجَّبت الملوك والجبابرة من قهرهم للخلق وقهر المحبوب لهم، وذلِّهم له. فإذا فاجأ المحبوبُ محبَّه ورآه بغتةً أحسَّ القلب بهجوم سلطانه عليه، فاعتراه روعةٌ وخوف. وسألنا يومًا شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ عن هذه المسألة، فذكرت أنا هذا الجواب، فتبسَّم ولم يقل شيئًا.
وأمَّا الحياء الذي يعتريه منه وإن كان قادرًا عليه كأَمَته وزوجته، فسببه ــ والله أعلم ــ أنَّ هذا السُّلطان لمَّا زال خوفُه عن القلب بقيت هيبته واحتشامه، فتولَّد منها الحياء. وأمَّا حصول ذلك له في غيبة المحبوب فظاهر، لاستيلائه على قلبه، فوهمُه يغالطه عليه ويكابره حتَّى كأنَّه معه.
وأمَّا حياء العبودية: فهو حياءٌ ممتزجٌ بين محبَّةٍ وخوفٍ، ومشاهدة عدم صلاح عبوديَّته لمعبوده، وأنَّ قدره أعلى وأجلُّ منها. فعبوديَّته له توجب استحياءه منه لا محالة.
وأمّا حياء الشرف والعزَّة: فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها من بذلٍ أو عطاءٍ وإحسانٍ١، فإنَّه يستحيي مع بذله حياءَ شرفِ نفسٍ وعزَّةٍ. وهذا له سببان:
أحدهما هذا. والثاني: استحياؤه من الآخذ٢، حتَّى إنَّ بعض أهل