الكرم لا تطاوعه نفسه بمواجهته لمن يعطيه حياءً منه. وهذا يدخل في حياء التكرُّم، لأنَّه يستحيي من خجلة الآخذ.
وأمَّا حياء المرء من نفسه: فهو حياء النُّفوس الشريفة العزيزة١ مِن رضاها لنفسها بالنقص وقَنَعِها بالدُّون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتّى كأنَّ له نفسان٢، يستحيي بإحداهما من الأخرى. وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإنَّ العبد إذا استحيا من نفسه، فهو بأن يستحيي من غيره أجدر.
فصل
قال صاحب «المنازل» ﵀٣: (الحياء من أوَّل مدارج أهل الخصوص؛ يتولَّد من تعظيمٍ منوطٍ بودٍّ).
إنَّما جعل الحياء من أوَّل مدارج أهل الخصوص لِما فيه من ملاحظة حضور من يستحيي منه، وأوَّلُ سلوك أهل الخصوص: أن يروا الحقَّ سبحانه حاضرًا معهم، وعليه بناءُ سلوكهم.
وقوله: (إنَّه يتولَّد من تعظيمٍ منوطٍ بودٍّ) يعني: أنَّ الحياء حالةٌ تحصل من امتزاج التعظيم بالمودَّة، فإذا اقترنا تولَّد بينهما الحياء.
والجنيد ﵀ يقول: إنَّ تولُّده من مشاهدة النِّعم ورؤية التقصير٤.
(١) زيد في ع: «الرفيعة».
(٢) كذا في النسخ، والجادة: النصب.
(٣) (ص ٤٢).
(٤) سبق نصُّ كلامه قريبًا.
ومنهم من يقول: تولُّده من شعور القلب بما يَستحيي منه، وشدَّة نفرته عنه، فيتولَّد من هذا الشُّعور والنُّفرة حالةٌ تسمَّى الحياء.
ولا تنافي بين هذه الأقوال، فإنَّ للحياء عدَّة أسبابٍ قد تقدَّم ذكرُها، فكلٌّ أشار إلى بعضها.
فصل
قال١: (وهو على ثلاث درجاتٍ. الدرجة الأولى: حياءٌ يتولَّد من علم العبد بنظر الحقِّ إليه، فيجذبه إلى تحمُّل المجاهدة، ويحمله على استقباح الجناية، ويستكفُّه عن الشكوى).
يعني: أنَّ العبد متى علم أنَّ الربَّ تعالى ناظرٌ إليه أورثه هذا العلمُ حياءً منه، يجذبه إلى احتمال أعباء الطاعة، مثل العبد إذا عمل الشُّغل بين يدي سيِّده فإنَّه يكون نشيطًا فيه متحمِّلًا لأعبائه٢، بخلاف ما إذا كان غائبًا عن سيِّده. والربُّ تعالى لا يغيب نظره عن عبده، ولكن يغيب نظر القلب والتفاته إلى نظره سبحانه إلى العبد٣.
وكذلك يحمله على استقباح جنايته، وهذا الاستقباح الحاصل بالحياء قدرٌ زائدٌ على استقباح ملاحظة الوعيد، وهو فوقه. وأرفع منه درجةً: الاستقباح الحاصل عن المحبَّة، فاستقباح المحبِّ أتمُّ من استقباح الخائف.
(١) «المنازل» (ص ٤٢) و«شرح التلمساني» (ص ٢٣٨) واللفظ له.
(٢) زاد في ع: «ولاسيما مع الإحسان من سيده إليه ومحبته لسيده».
(٣) زاد في ع: «فإن القلب إذا غاب نظره وقلَّ التفاته إلى نظر الله ــ ﵎ ــ إليه تولَّد له من ذلك قلةُ الحياء والقِحةُ».