مدارج السالكين

أحدكم من عنق راحلته».

فهذا قربٌ خاصٌّ بالداعي دعاءَ العبادة والثناء والحمد. وهذا القرب لا ينافي كمال مباينة الربِّ لخلقه، واستواءَه على عرشه، بل يجامعه ويلازمه، فإنَّه ليس كقرب الأجسام بعضها من بعضٍ ــ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا ــ، ولكنَّه نوعٌ آخر. والعبد في الشاهد يجد روحه قريبةً جدًّا من محبوبٍ بينه وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطيِّ، ويجده أقرب إليه من جليسه، كما قيل١:

ألا ربّ من يدنو ويزعم أنَّهيحبُّك والنائي أحبُّ وأقرب

وأهل السنة أولياءُ رسول الله ﷺ وورثته وأحبَّاؤه الذين٢ هو عندهم أولى بهم من أنفسهم وأحبُّ إليهم منها= يجدون نفوسهم أقرب إليه وهم في الأقطار النائية عنه مِن جيران حجرته في المدينة. والمحبُّون المشتاقون للكعبة البيت الحرام يجدون قلوبهم وأرواحهم أقربَ إليها من جيرانها ومَن حولها. هذا مع عدم تأتِّي القربِ منها، فكيف بمن يقرُب من خلقه كيف يشاء وهو مستوٍ على عرشه؟! وأهل الذوق لا يلتفتون في ذلك إلى شبهة معطِّلٍ بعيدٍ من الله، خليٍّ من محبَّته ومعرفته.

والقصد: أنَّ هذا القرب يدعو صاحبه إلى ركوب المحبَّة، وكلَّما ازداد حبًّا ازداد قربًا، فالمحبَّة بين قربين: قربٍ قبلها وقربٍ بعدها، وبين معرفتين:

  1. (١) أنشده بعضهم وهو يودِّع الكعبة. انظر: «طبقات الصوفية» للسلمي (ص ٣٩٤).
  2. (٢) ل، ش: «الذي».
624

معرفةٍ قبلها حملت عليها ودعت إليها١، ومعرفةٍ بعدها هي من نتائجها وآثارها.

وأمَّا (ربطه بروح الأنس)، فهو تعلُّق قلبه بالأنس بالله، تعلُّقًا لازمًا لا يفارقه، بل يجعل بين القلب والأنس رابطة لازمة. ولا ريب أنَّ هذا يكرِّه إليه ملابسة الخلق، بل يجد الوحشة في ملابستهم بقدر أنسه بربِّه، وقرَّةِ عينه بحبِّه، وقربه منه، فإنَّه ليس مع الله غيره. فإن لابسهم لابسهم برسمه دون سرِّه وروحه وقلبه، فقلبُه وروحه في ملأٍ، وبدنه ورسمه في ملأٍ.

فصل

قال٢: (الدرجة الثالثة: حياءٌ يتولَّد من شهود الحضرة، وهي التي تشوبها هيبة، ولا تقارنها تفرقة، ولا يوقف لها على غاية).

شهود الحضرة: انجذاب الرُّوح والقلب من الكائنات، وعكوفُه على ربِّ البريَّات، فهو في حضرة قربه مشاهدًا لها. وإذا وصل القلب إليها غشيَتْه الهيبة وزالت عنه التفرقة، إذ ما مع الله سواه، فلا يخطر بباله في تلك الحال سوى الله وحده. وهذا مقام الجمعيَّة.

وأمَّا قوله: (ولا يوقف لها على غاية)، يعني أنَّ كلَّ مَن وصل إلى مطلوبه وظفر به وصل إلى الغاية، إلَّا صاحب هذا الشهود، فإنَّه لا يقف بحضرة الرُّبوبيَّة على غاية، فإنَّ ذلك مستحيل. بل إذا شهد تلك٣ الحضرة التي هي

  1. (١) زاد في ع: «ودلَّت عليها».
  2. (٢) «المنازل» (ص ٤٣) و«شرح التلمساني» (ص ٢٣٩) واللفظ له.
  3. (٣) زاد في ع: «الروابي، ووقف على تلك الربوع، وعاين».
625

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي