مدارج السالكين

غاية الغايات، شارف أمرًا لا غاية له ولا نهاية، والغايات والنِّهايات كلُّها إليه تنتهي، ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢]، فانتهت إليه الغايات والنِّهايات. وليس له سبحانه غايةٌ ولا نهاية، لا في وجوده، ولا في مزيده وَجُوده، إذ هو الأوَّل الذي ليس قبله شيءٌ، والآخر الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لمجده وحمده وعطائه. بل كلَّما ازداد منه قربًا لاح له من جلاله وعظمته ما لم يشاهده قبل ذلك، وهكذا أبدًا لا يقف على غايةٍ ولا نهايةٍ. ولهذا جاء أنَّ أهل الجنَّة في مزيدٍ دائمٍ بلا انتهاء١، فإنَّ نعيمهم متَّصلٌ بمن لا نهاية لفضله ولا لعطائه٢، ولا لأوصافه، فتبارك ذو الجلال والإكرام!

  1. (١) قال تعالى عن أهل النار أنه يقال لهم: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾ [النبأ: ٣٠]، قال عبد الله بن عمرو: «هم في مزيد من العذاب أبدًا»، ذكره ابن كثير في «تفسيره». فإذا كان أهل النار في مزيد من العذاب أبدًا فأهل النعيم في مزيد من النعيم أبدًا لا محالة. وقال يحيى بن سلَّام (ت ٢٠٠) في «تفسيره» (١/ ٤٥٢) عند قوله تعالى: ﴿عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾: «أهل الجنة أبدًا في مزيد».
  2. (٢) زاد في ع: «ولا لمزيده».
626

فصل

ومن منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: منزلة الصِّدق. وهي منزلة القوم الأعظم الذي منه تنشأ جميع منازل السالكين، والطريق الأقوم الذي مَن لم يَسِرْ عليه فهو من المنقطعين الهالكين.

وبه تميَّز أهل النِّفاق من أهل الإيمان، وسكَّان الجنان من أهل النِّيران. وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيءٍ إلَّا قطعه، ولا واجه باطلًا إلَّا أرداه وصرعه. من صال به لم تردَّ صولته، ومن نطق به علت على الخصوم كلمته. فهو روح الأعمال، ومحكُّ الأحوال، والحامل على اقتحام الأهوال، والباب الذي منه دخل الواصلون إلى حضرة ذي الجلال.

وهو أساس بناء الدِّين، وعمود فسطاط اليقين. ودرجته تاليةٌ لدرجة النُّبوَّة التي هي أرفع درجات العالمين، ومن مساكنهم في الجنان تجري العيون والأنهار إلى مساكن الصِّدِّيقين، كما كان من قلوبهم إلى قلوبهم في هذه الدار مددٌ متَّصلٌ ومعينٌ.

وقد أمر الله سبحانه أهل الإيمان أن يكونوا مع الصادقين، وخصَّ المُنعَم عليهم بالنبيِّين والصدِّيقين والشُّهداء والصالحين، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، فهم أهل الرفيق الأعلى، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩].

627

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي