مدارج السالكين

العبد، وتزيينُه في قلبه، وجعلُه مؤثرًا١ له، راضيًا به، راغبًا فيه.

وهما هدايتان مسؤولتان٢، ولا يحصل الفلاح إلّا بهما. وهما متضمِّنتان٣ تعريفَ ما لم نعلمه من الحقِّ تفصيلًا وإجمالًا، وإلهامَنا له٤، وجعلَنا مريدين لاتِّباعه ظاهرًا وباطنًا؛ ثمّ خلقَ القدرة لنا على القيام بموجَب الهدى بالقول والعمل والعزم، ثمّ إدامةَ٥ ذلك لنا وتثبيتَنا٦ عليه إلى الموافاة.

ومن هاهنا يُعلَم اضطرار العبد إلى هذه الدّعوة فوق كلِّ ضرورةٍ، وبطلانُ سؤال مَن٧ يقول: إذا كنّا مهتدين، فكيف نسأل الهداية؟ فإنَّ المجهولَ لنا من الحقِّ أضعافُ المعلوم، وما لا نريد فعلَه تهاونًا وكسلًا مثلُ ما نريده أو أكثرُ منه أو دونه. وما لا نقدر عليه ممّا نريده كذلك. وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله فأمرٌ يفوت الحصر. ونحن محتاجون إلى الهداية التّامّة، فمن كملت له هذه الأمور كان سؤالُ الهداية له٨ سؤالَ التَّثبيت والدَّوام.

  1. (١) غيَّره بعضهم في م إلى "مريدًا".
  2. (٢) ذهبت الرطوبة في ل بالكلمتين، فأثبت بعضهم مكانهما: "هذان اللذان"!
  3. (٣) ق، م: "متضمنان".
  4. (٤) "له" ساقط من ش.
  5. (٥) ع: "وإدامة".
  6. (٦) ق: "تثبيتًا".
  7. (٧) ع: "قول من".
  8. (٨) "له" ساقط من ش.
13

وللهداية١ مرتبةٌ أخرى ــ وهي آخر مراتبها ــ وهي الهداية يوم القيامة إلى طريق الجنّة، وهو الصِّراط المُوصِل إليها. فمن هُدي في هذه الدّار إلى صراط الله المستقيم، الذي أرسل به رسوله، وأنزل به كتابه، هُدي هناك إلى الصِّراط المستقيم المُوصِل إلى جنّته ودار ثوابه. وعلى قدر ثبوت قدمه على هذا الصِّراط الذي نصبه الله لعباده في هذه الدّار، يكون ثبوتُ قدمه على الصِّراط المنصوب على متن جهنّم. وعلى قدر سيره على هذا الصِّراط يكون سيرُه على ذاك الصِّراط. فمنهم من يمرُّ كالبرق، ومنهم من يمرُّ كالطَّرْف، ومنهم من يمرُّ كشدِّ الرِّكاب، ومنهم من يسعى سعيًا، ومنهم من يمرُّ مشيًا، ومنهم من يحبو حَبْوًا، ومنهم المخدوش المسلَّم، ومنهم المُكَرْدَس٢ في النّار. فلينظر العبد سيرَه على ذلك الصِّراط من سيره على هذا، حذوَ القُذَّة بالقُذَّة جزاءً وفاقًا ﴿هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٩٠].

ولينظر الشّهوات والشبهات٣ التي تعُوقه عن سيره على هذا الصِّراط المستقيم، فإنّها الكلاليب التي بجنبتَيْ ذاك الصِّراط، تخطَفه وتعُوقه عن المرور عليه؛ إن كثرت هنا وقويت، فكذلك هي هناك، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ [فصلت: ٤٦].

  1. (١) ق: "الهداية".
  2. (٢) وهو الذي تجمع يداه ورجلاه ويلقى في النار. وقد جاء هذا اللفظ في "المستدرك" (٤/ ٥٨٣، ٥٨٩) وغيره. وفي حديث البخاري (٧٤٣٩) ومسلم (١٨٣) عن أبي سعيد الخدري ﵁: "مكدوس"، أي مطروح.
  3. (٣) ع: "الشبهات والشهوات".
14

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي