مدارج السالكين

بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا﴾ [الزمر: ٣٣ - ٣٥]، فالذي جاء بالصِّدق هو مَن شأنه الصِّدق في قوله وعمله وحاله، فالصِّدق: في هذه الثلاثة.

فالصِّدق في الأقوال: استواء اللِّسان على الأقوال، كاستواء السُّنبلة على ساقها. والصِّدق في الأعمال: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستواء الرأس على الجسد. والصِّدق في الأحوال: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغُ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصِّدق. وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامها به تكون صدِّيقيَّته، ولذلك كان لأبي بكرٍ الصِّدِّيق ذروةُ سنام الصدِّيقيَّة حتى سمِّي «الصِّدِّيق» على الإطلاق. والصدِّيق أبلغ من الصدوق، والصدوق أبلغ من الصادق.

فأعلى مراتب الصِّدق: مرتبة الصدِّيقيَّة، وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمُرسِل.

وقد أمر الله سبحانه رسوله أن يسأله أن يجعل مَدْخَله ومَخْرَجه١ على الصِّدق، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠].

وأخبر عن خليله إبراهيم ــ ﵇ ــ أنَّه سأله أن يهب له لسان صدقٍ في الناس٢، فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤].

  1. (١) أي: دخوله وخروجه، ويمكن ضبطه: «مُدْخَله ومُخْرجَه» كما في الآية، أي: إدخاله وإخراجه.
  2. (٢) ع: «في الآخرين».
629

وبشَّر عباده أنَّ لهم عنده قدم صدقٍ ومقعد صدقٍ، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].

فهذه خمسة أشياء: مدخل الصِّدق، ومخرج الصِّدق، ولسان الصِّدق، وقدم الصِّدق، ومقعد الصِّدق.

وحقيقة الصِّدق في هذه الأشياء: هو الحقُّ الثابت، المتَّصل بالله، الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله، من الأعمال والأقوال. وجزاء ذلك في الدُّنيا والآخرة.

فمدخل الصِّدق ومخرج الصِّدق: أن يكون دخوله وخروجه حقًّا ثابتًا بالله وفي مرضاته، متَّصلًا بالظفر بالبغية وحصول المطلوب، ضدُّ مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساقٌ ثابتةٌ يقوم عليها، كمخرج أعدائه يوم بدرٍ، ومخرجُ الصِّدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة.

وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدقٍ بالله ولله وابتغاء مرضاة الله، فاتَّصل به التأييدُ والظفر والنصر وإدراكُ ما طلبه في الدُّنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب، فإنَّه لم يكن بالله ولا لله، بل محادَّةً لله ورسوله، فلم يتَّصل به إلَّا الخذلان والبوار.

وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله ﷺ حصن بني قريظة، فإنَّه لمَّا كان مدخل كذبٍ أصابه معهم ما أصابهم١.

  1. (١) كذا العبارة في النسخ إلا أن «معهم» ساقطة من ع. ولعل صوابها: «أصابهم معه ما أصابهم» أو «أصابهم ما أصابهم».
630

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي