مدارج السالكين

وبشَّر عباده أنَّ لهم عنده قدم صدقٍ ومقعد صدقٍ، فقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [يونس: ٢]، وقال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ ٥٤ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥].

فهذه خمسة أشياء: مدخل الصِّدق، ومخرج الصِّدق، ولسان الصِّدق، وقدم الصِّدق، ومقعد الصِّدق.

وحقيقة الصِّدق في هذه الأشياء: هو الحقُّ الثابت، المتَّصل بالله، الموصل إلى الله. وهو ما كان به وله، من الأعمال والأقوال. وجزاء ذلك في الدُّنيا والآخرة.

فمدخل الصِّدق ومخرج الصِّدق: أن يكون دخوله وخروجه حقًّا ثابتًا بالله وفي مرضاته، متَّصلًا بالظفر بالبغية وحصول المطلوب، ضدُّ مخرج الكذب ومدخله الذي لا غاية له يوصل إليها، ولا له ساقٌ ثابتةٌ يقوم عليها، كمخرج أعدائه يوم بدرٍ، ومخرجُ الصِّدق كمخرجه هو وأصحابه في تلك الغزوة.

وكذلك مدخله المدينة كان مدخل صدقٍ بالله ولله وابتغاء مرضاة الله، فاتَّصل به التأييدُ والظفر والنصر وإدراكُ ما طلبه في الدُّنيا والآخرة، بخلاف مدخل الكذب الذي رام أعداؤه أن يدخلوا به المدينة يوم الأحزاب، فإنَّه لم يكن بالله ولا لله، بل محادَّةً لله ورسوله، فلم يتَّصل به إلَّا الخذلان والبوار.

وكذلك مدخل من دخل من اليهود المحاربين لرسول الله ﷺ حصن بني قريظة، فإنَّه لمَّا كان مدخل كذبٍ أصابه معهم ما أصابهم١.

  1. (١) كذا العبارة في النسخ إلا أن «معهم» ساقطة من ع. ولعل صوابها: «أصابهم معه ما أصابهم» أو «أصابهم ما أصابهم».
630

فكلُّ مَدخلٍ ومَخرجٍ كان بالله ولله، وصاحبه ضامنٌ على الله= فهو مدخل صدقٍ، ومَخرج صدقٍ.

وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء، وقال: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أَخرُج مَخرجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك»١، يريد: أن لا يكون المخرج مخرج صدقٍ.

ولذلك فُسِّر مدخل الصدق ومخرجه٢: بخروجه ﷺ من مكَّة ودخوله المدينة. ولا ريب أنّ هذا على سبيل التمثيل، فإنَّ هذا المدخل والمخرج من أجلِّ مداخله ومخارجه ﷺ، وإلَّا فمداخله ومخارجه كلُّها مداخل صدقٍ ومخارج صدقٍ، إذ هي بالله ولله، وبأمره ولابتغاء مرضاته.

وما خرج أحدٌ من بيته ودخل سوقه أو مدخلًا آخر إلَّا بصدقٍ أو كذب، فمخرج كلِّ أحدٍ ومدخله لا يعدو الصِّدق والكذب. والله المستعان.

وأمَّا لسان الصِّدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم بالصِّدق، ليس ثناءً بالكذب، كما قال عن أنبيائه ورسله٣: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ

  1. (١) لم أجده، وفي الباب ما رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٨ ــ رواية أبي نعيم) وعبد الرزاق في «الأمالي» (٢٠٠) ــ ومن طريقه أحمد في «الزهد» (ص ٢٢١) ــ عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قيل لأبي هريرة: ألا تركب فتلقى معاوية؟ فقال: «إنى لأكره أن أركب مركبًا لا أكون فيه ضامنًا على الله». وهو منقطع بين يحيى وأبي هريرة.
  2. (٢) أي في آية الإسراء التي سبقت.
  3. (٣) ع: «كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل».
631

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي