مدارج السالكين

فكلُّ مَدخلٍ ومَخرجٍ كان بالله ولله، وصاحبه ضامنٌ على الله= فهو مدخل صدقٍ، ومَخرج صدقٍ.

وكان بعض السلف إذا خرج من داره رفع رأسه إلى السماء، وقال: «اللهمَّ إنِّي أعوذ بك أن أَخرُج مَخرجًا لا أكون فيه ضامنًا عليك»١، يريد: أن لا يكون المخرج مخرج صدقٍ.

ولذلك فُسِّر مدخل الصدق ومخرجه٢: بخروجه ﷺ من مكَّة ودخوله المدينة. ولا ريب أنّ هذا على سبيل التمثيل، فإنَّ هذا المدخل والمخرج من أجلِّ مداخله ومخارجه ﷺ، وإلَّا فمداخله ومخارجه كلُّها مداخل صدقٍ ومخارج صدقٍ، إذ هي بالله ولله، وبأمره ولابتغاء مرضاته.

وما خرج أحدٌ من بيته ودخل سوقه أو مدخلًا آخر إلَّا بصدقٍ أو كذب، فمخرج كلِّ أحدٍ ومدخله لا يعدو الصِّدق والكذب. والله المستعان.

وأمَّا لسان الصِّدق: فهو الثناء الحسن عليه من سائر الأمم بالصِّدق، ليس ثناءً بالكذب، كما قال عن أنبيائه ورسله٣: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ

  1. (١) لم أجده، وفي الباب ما رواه ابن المبارك في «الزهد» (١٨ ــ رواية أبي نعيم) وعبد الرزاق في «الأمالي» (٢٠٠) ــ ومن طريقه أحمد في «الزهد» (ص ٢٢١) ــ عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير قال: قيل لأبي هريرة: ألا تركب فتلقى معاوية؟ فقال: «إنى لأكره أن أركب مركبًا لا أكون فيه ضامنًا على الله». وهو منقطع بين يحيى وأبي هريرة.
  2. (٢) أي في آية الإسراء التي سبقت.
  3. (٣) ع: «كما قال عن إبراهيم وذريته من الأنبياء والرسل».
631

عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٠]. والمراد باللِّسان هاهنا: الثناء الحسن، فلمَّا كان١ باللِّسان وهو محلُّه عَبَّر به عنه٢. فإنَّ اللِّسان يراد به ثلاثة معانٍ: هذا، واللُّغة كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤]، وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: ٢٢]، وقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣]، ويراد به الجارحة نفسها كقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦].

وأمَّا قدم الصِّدق: ففسِّر بالجنَّة، وفسِّر بمحمَّدٍ ﷺ، وفسِّر بالأعمال الصالحة٣. وحقيقة القدم ما قدَّموه، ويَقْدَمون عليه يوم القيامة. وهم قدَّموا الأعمال والإيمان بمحمَّدٍ ﷺ، ويَقْدَمون على الجنَّة التي هي جزاء ذلك، فمن فسَّره بها أراد ما يَقْدَمون عليه. ومن فسَّره بالأعمال وبالنبيِّ ﷺ فلأنَّهم قدَّموها وقدَّموا الإيمان به بين أيديهم. فالثلاثة قَدَمُ صدقٍ.

وأمَّا مقعد الصِّدق: فهو الجنة عند الربِّ ﵎.

ووصفُ ذلك كلِّه بالصِّدق مستلزمٌ ثبوته واستقراره، وأنَّه حقٌّ، ودوامَه، ونفعَه، وكمالَ عائدته؛ فإنَّه متَّصلٌ بالحقِّ سبحانه، كائنٌ به وله، فهو صدقٌ غير كذبٍ، وحقٌّ غير باطلٍ، ودائمٌ غير زائلٍ، ونافعٌ غير ضارٍّ، وما للباطل ومتعلَّقاته إليه سبيلٌ ولا مدخل.

  1. (١) «كان» أي: الثناء.
  2. (٢) السياق في ع: «فلما كان الصدق باللسان وهو محلُّه أطلق الله ألسنة العباد بالثناء على الصادق جزاءً وفاقًا، وعبَّر به عنه».
  3. (٣) انظر: «تفسير الطبري» (١٢/ ١٠٨ - ١١١).
632

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي