وهذا الكلام يحتاج إلى شرحٍ، وقد يسبق إلى الذِّهن خلافُه وأنَّ الكاذب متلوِّنٌ، لأنَّ الكذب ألوان فهو يتلوَّن بتلوُّنه، والصادق مستمرٌّ على حالةٍ واحدةٍ، فإنَّ الصِّدق واحدٌ في نفسه وصاحبُه لا يتلوَّن ولا يتغيَّر.
لكنَّ مراد أبي القاسم صحيحٌ غير هذا. فإنَّ العارضات١ والواردات التي ترد على الصادق لا ترد على الكذَّاب المرائي، بل هو فارغٌ منها، فإنَّه لا يرد عليه من قِبَل الحقِّ مواردُ الصادق٢، ولا يعارضه الشيطان كما يعارض الصادق٣، فإنَّه لا أَرَبَ له في خربةٍ٤ لا شيء فيها.
وهذه الواردات توجب تقلُّب الصادق٥ بحسب اختلافها وتنوُّعها، فلا تراه إلَّا هاربًا من مكانٍ إلى مكانٍ، ومن عملٍ إلى عملٍ، ومن حالٍ إلى حالٍ، ومن سببٍ إلى سببٍ؛ لأنَّه يخاف في كلِّ حالٍ يطمئنُّ إليها ومكانٍ وسببٍ أن يقطعه عن مطلوبه، فهو لا يساكن حالةً ولا شيئًا دون مطلوبه، فهو كالجوَّال في الآفاق في طلب الغنى الذي يفوق به الأغنياء، فالأحوال والأسباب تتقلَّب به، وتقيمه وتقعده، وتحرِّكه وتسكِّنه، حتَّى يجد فيها ما يعينه على مطلبه٦. وهذا عزيزٌ فيها، فقلبه في تقلُّبٍ وحركةٍ شديدةٍ بحسب
(١) ع: «المعارضات».
(٢) ع: «موارد الصادقين على الكاذبين المرائين». ومقتضى ذلك حذف «عليه» من «فإنه لا يرد عليه».
(٣) ع: «ولا يعارضهم ... الصادقين».
(٤) ش: «خزانة»، تصحيف.
(٥) ش: «تقلُّب قلب الصادق».
(٦) ع: «مطلوبه»، وكذا في السطر التالي.
سعة مطلوبه وعظمته، وهمَّتُه أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسمٍ أو حالٍ أو يساكن شيئًا غيره، فهو كالمحبِّ الصادق، الذي همَّته التفتيش على١ محبوبه.
وهكذا حال الصادق في طلب العلم، وحال الصادق في طلب الدُّنيا؛ فكلُّ صادقٍ في طلب شيءٍ لا يستقرُّ له قرار، ولا يدوم على حالة واحدة.
وأيضًا: فإنَّ الصادق مطلوبه: رضا ربِّه، وتنفيذُ أوامره، وتتبُّع محابِّه. فهو متقلِّبٌ فيها يسير معها أين توجَّهت ركائبها، ويستقلُّ معها أنَّى استقلَّت مضاربها، فبينا هو في صلاةٍ إذ رأيتَه في ذكرٍ، ثمَّ في غزوٍ، ثمَّ في حجٍّ، ثمَّ في إحسانٍ للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع، ثمَّ في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ، أو في قيامٍ بسببٍ فيه عمارةٌ للدِّين والدُّنيا٢.
فهو في تفرُّقٍ دائمٍ لله، وجمعيَّةٍ على الله، لا يملكه رسمٌ ولا عادةٌ ولا وضع، ولا يتقيَّد بقيدٍ ولا إشارة، ولا بمكانٍ معيَّنٍ لا يصلِّي إلا فيه٣، وزيٍّ معيَّنٍ لا يلبس سواه، وعبادةٍ معيَّنةٍ لا يلتفت إلى غيرها مع فضلها عليها في الدرجة؛ وبُعدُ ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض. فإنَّ البلاء والآفاتِ، والرِّياءَ والتصنُّع، وعبادةَ النفس وإيثارَ مرادها والإشارةَ إليها= كلَّها في هذه الأوضاع والرُّسوم والقيود التي حبست أربابها عن السَّير إلى قلوبهم، فضلًا عن السَّير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه
(١) ع: «عن».
(٢) زاد في ع: «ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن، إلى غير ذلك من أنواع القُرَب والمنافع».