مدارج السالكين

سعة مطلوبه وعظمته، وهمَّتُه أعلى من أن يقف دون مطلبه على رسمٍ أو حالٍ أو يساكن شيئًا غيره، فهو كالمحبِّ الصادق، الذي همَّته التفتيش على١ محبوبه.

وهكذا حال الصادق في طلب العلم، وحال الصادق في طلب الدُّنيا؛ فكلُّ صادقٍ في طلب شيءٍ لا يستقرُّ له قرار، ولا يدوم على حالة واحدة.

وأيضًا: فإنَّ الصادق مطلوبه: رضا ربِّه، وتنفيذُ أوامره، وتتبُّع محابِّه. فهو متقلِّبٌ فيها يسير معها أين توجَّهت ركائبها، ويستقلُّ معها أنَّى استقلَّت مضاربها، فبينا هو في صلاةٍ إذ رأيتَه في ذكرٍ، ثمَّ في غزوٍ، ثمَّ في حجٍّ، ثمَّ في إحسانٍ للخلق بالتعليم وغيره من أنواع النفع، ثمَّ في أمرٍ بمعروفٍ أو نهيٍ عن منكرٍ، أو في قيامٍ بسببٍ فيه عمارةٌ للدِّين والدُّنيا٢.

فهو في تفرُّقٍ دائمٍ لله، وجمعيَّةٍ على الله، لا يملكه رسمٌ ولا عادةٌ ولا وضع، ولا يتقيَّد بقيدٍ ولا إشارة، ولا بمكانٍ معيَّنٍ لا يصلِّي إلا فيه٣، وزيٍّ معيَّنٍ لا يلبس سواه، وعبادةٍ معيَّنةٍ لا يلتفت إلى غيرها مع فضلها عليها في الدرجة؛ وبُعدُ ما بينهما كبعد ما بين السماء والأرض. فإنَّ البلاء والآفاتِ، والرِّياءَ والتصنُّع، وعبادةَ النفس وإيثارَ مرادها والإشارةَ إليها= كلَّها في هذه الأوضاع والرُّسوم والقيود التي حبست أربابها عن السَّير إلى قلوبهم، فضلًا عن السَّير من قلوبهم إلى الله تعالى. فإذا خرج أحدهم عن رسمه ووضعه

  1. (١) ع: «عن».
  2. (٢) زاد في ع: «ثم في عيادة مريض أو تشييع جنازة أو نصر مظلوم إن أمكن، إلى غير ذلك من أنواع القُرَب والمنافع».
  3. (٣) ع: «بمكان معين يصلي فيه».
636

وزيِّه وقيده وإشارته ــ ولو إلى أفضل منه ــ استهجن ذلك، ورآه نقصًا، وسقوطًا من أعين النَّاس، وانحطاطًا لرتبته عندهم١.

وهذا شأن الكذَّاب٢ العامل على عمارة نفسه ومرتبته٣. ولو كان عاملًا على مراد الله منه، وعلى الصِّدق مع الله= لأثقلته تلك القيود، وحبسته تلك الرُّسوم، ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه٤.

فكلام أبي القاسم الجنيد ﵀ حقٌّ، كلامُ راسخٍ في الصِّدق، عالمٍ بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب.

وأيضًا: فحمل الصِّدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلَّا أصحاب العزائم، فهم يتقلَّبون تحته تقلُّب الحامل بحمله الثقيل. والرِّياء والكذب خفيفٌ كالرِّيشة لا يجد له صاحبه٥ ثقلًا البتَّة، فهو حاملٌ له في أيِّ موضعٍ اتَّفق، بلا تعبٍ ولا كلفةٍ ولا مشقَّة، ولا يتقلَّب تحت حمله ولا يجد ثقله.

وقال بعضهم: لم يَشَمَّ روائح الصِّدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره٦.

  1. (١) زاد في ع: «وهو قد انحطَّ وسقط من عين الله. وقد يحسُّ أحدهم ذلك من نفسه وحاله، ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيُّه وقيوده أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه».
  2. (٢) زاد في ع: «المرائي الذي يُبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه».
  3. (٣) زاد في ع: «وهذا هو النفاق بعينه».
  4. (٤) زاد في ع: «ولما بالى أي ثوب لبس، ولا أي عملٍ عمل إذا كان على مراد الله من العبد».
  5. (٥) كتب بعضهم في الأصل هنا: «له» فوق السطر بعد أن ضرب على الأولى، وقد كتبت بحيث إنها مع نقط الثاء بعدها تشبه «كربًا»، ولعله منشأ ما في ج، ن: «كربًا وثقلًا».
  6. (٦) أسنده السلمي في «آداب الصحبة» (٨٣) ــ وعنه البيهقي في «الشعب» (٥٣٩١) والقشيري (ص ٤٨٣) ــ عن سهل بن عبد الله التستري.
637

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي