مدارج السالكين

وزيِّه وقيده وإشارته ــ ولو إلى أفضل منه ــ استهجن ذلك، ورآه نقصًا، وسقوطًا من أعين النَّاس، وانحطاطًا لرتبته عندهم١.

وهذا شأن الكذَّاب٢ العامل على عمارة نفسه ومرتبته٣. ولو كان عاملًا على مراد الله منه، وعلى الصِّدق مع الله= لأثقلته تلك القيود، وحبسته تلك الرُّسوم، ولرأى الوقوف عندها ومعها عين الانقطاع عن الله لا إليه٤.

فكلام أبي القاسم الجنيد ﵀ حقٌّ، كلامُ راسخٍ في الصِّدق، عالمٍ بتفاصيله وآفاته ومواضع اشتباهه بالكذب.

وأيضًا: فحمل الصِّدق كحمل الجبال الرواسي، لا يطيقه إلَّا أصحاب العزائم، فهم يتقلَّبون تحته تقلُّب الحامل بحمله الثقيل. والرِّياء والكذب خفيفٌ كالرِّيشة لا يجد له صاحبه٥ ثقلًا البتَّة، فهو حاملٌ له في أيِّ موضعٍ اتَّفق، بلا تعبٍ ولا كلفةٍ ولا مشقَّة، ولا يتقلَّب تحت حمله ولا يجد ثقله.

وقال بعضهم: لم يَشَمَّ روائح الصِّدق عبدٌ داهن نفسه أو غيره٦.

  1. (١) زاد في ع: «وهو قد انحطَّ وسقط من عين الله. وقد يحسُّ أحدهم ذلك من نفسه وحاله، ولا تدعه رسومه وأوضاعه وزيُّه وقيوده أن يسعى في ترميم ذلك وإصلاحه».
  2. (٢) زاد في ع: «المرائي الذي يُبدي للناس خلاف ما يعلمه الله من باطنه».
  3. (٣) زاد في ع: «وهذا هو النفاق بعينه».
  4. (٤) زاد في ع: «ولما بالى أي ثوب لبس، ولا أي عملٍ عمل إذا كان على مراد الله من العبد».
  5. (٥) كتب بعضهم في الأصل هنا: «له» فوق السطر بعد أن ضرب على الأولى، وقد كتبت بحيث إنها مع نقط الثاء بعدها تشبه «كربًا»، ولعله منشأ ما في ج، ن: «كربًا وثقلًا».
  6. (٦) أسنده السلمي في «آداب الصحبة» (٨٣) ــ وعنه البيهقي في «الشعب» (٥٣٩١) والقشيري (ص ٤٨٣) ــ عن سهل بن عبد الله التستري.
637

وقال بعضهم: الصادق: الذي يتهيَّأ له أن يموت ولا يستحيي مِن سرِّه لو كشف، قال تعالى: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤]١.

قلت: هذه الآية فيها للناس كلامٌ معروفٌ.

قالوا: إنَّها معجزة للنبيِّ ﷺ عجَّز بها اليهود، ودعاهم إلى تمنِّي الموت وأخبر أنَّهم لا يتمنَّونه أبدًا. وهذا عَلَم من أعلام نبوَّته، إذ لا يمكن الاطِّلاع على بواطنهم إلَّا بأخبار الغيب، ولم ينطق الله ألسنتهم بتمنِّيه أبدًا.

وقالت طائفةٌ: لمَّا ادَّعت اليهود أنَّ لهم الدار الآخرة خالصةً عند الله من دون الناس، وأنَّهم أحبَّاؤه وأهل كرامته= أكذبهم الله في دعواهم، وقال: إن كنتم صادقين فتمنَّوا الموت لتصلوا إلى الجنَّة ودار النعيم، فإنَّ الحبيب يتمنَّى لقاء حبيبه، ثمَّ أخبر سبحانه أنَّهم لا يتمنَّونه بسبب ما قدَّمت أيديهم من الأوزار والذُّنوب الحائلة بينهم وبين ما قالوه، فقال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥].

وقالت طائفةٌ منهم محمَّد بن إسحاق٢ وغيره: هذه من جنس آية المباهلة، وأنَّهم لمَّا عاندوا، ودفعوا الهدى عيانًا، وكتموا الحقَّ= دعاهم إلى أمرٍ يحكم بينهم وبينه، وهو أن يدعوا بالموت على الكاذب المفتري؛

  1. (١) ذكره القشيري عن أبي سعيد القرشي الرازي (ت ٣٨٢).
  2. (٢) كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٥٤٢). وقد أسنده الطبري (٢/ ٢٦٩، ٢٧٣) وابن أبي حاتم (١/ ١٧٧) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد بن جبير أو عكرمة، عن ابن عباس.
638

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي