مدارج السالكين

والتمنِّي: سؤال ودعاء، فتمنَّوا الموت وادعُوا به على المبطل الكاذب المفتري.

وعلى هذا فليس المراد: تمنَّوه لأنفسكم خاصَّةً، كما قاله أصحاب القولين الأوَّلين. بل معناه: ادعُوا بالموت وتمنَّوه للمبطل. وهذا أبلغ في إقامة الحجَّة وبرهان الصِّدق، وأسلَمُ من أن يعارضوا١ بقولهم: فتمنَّوه أنتم أيضًا إن كنتم محقِّين أنكم٢ أهلُ الجنَّة، لتَقْدَموا على ثواب الله وكرامته. والقوم كانوا أحرص شيءٍ على معارضته، فلو فهموا منه ما ذكره أولئك لعارضوه بمثله.

وأيضًا: فإنَّا نشاهد كثيرًا منهم يتمنَّى الموت لضرِّه وبلائه وشدَّة حاله، ويدعو به. وهذا بخلاف تمنِّيه والدُّعاء به على الفرقة الكاذبة، فإنَّ هذا لا يكون أبدًا، ولا وقع من أحدٍ منهم في حياة النبيِّ ﷺ البتَّة، وذلك لعلمهم بصحَّة نبوَّته وصدقه، وكفرهم حسدًا وبغيًا، فلا يتمنَّوه٣ أبدًا لعلمهم أنَّهم هم الكاذبون. وهذا القول هو الذي نختاره، والله أعلم بما أراد من كتابه.

وقال إبراهيم الخوَّاص: الصَّادق لا تراه إلَّا في فرضٍ يؤدِّيه، أو فضلٍ يعمل فيه٤.

  1. (١) ش، ج، ن: «يعارضوه».
  2. (٢) «أنكم» من ع، وقد استدركت بهامش الأصل بخط مغاير. والعبارة لها وجه بدونها: «إن كنتم محقين أهلَ الجنة» أي: إن كنتم أهلَ الجنة حقًّا، فـ «محقين» حال مقدَّم.
  3. (٣) كذا في النسخ، والوجه: «يتمنونه».
  4. (٤) أسنده القشيري (ص ٤٨٥).
639

وقال الجنيد ﵀: حقيقة الصِّدق: أن تصدق في موطنٍ١ لا ينجيك منه إلَّا الكذب٢.

وقيل: ثلاثٌ لا تخطئ الصّادق: الحلاوة، والهيبة، والملاحة٣.

وفي أثرٍ إلهيٍّ: «من صَدَقني في سريرته صدقتُه في علانيته عند خلقي»٤.

وقال سهل بن عبد الله ﵀: أوَّل خيانة الصِّدِّيقين: حديثهم مع أنفسهم٥.

وقال يوسف بن أسباطٍ ﵀: لأن أبيت ليلةً أعامل الله بالصِّدق أحبُّ إليَّ من أن أضرب بسيفي في سبيل الله٦.

وقال الحارث المحاسبيُّ ﵀٧: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له في قلوب الخلق من أجل صلاح٨ قلبه، ولا يحبُّ اطِّلاع الناس على مثاقيل الذَّرِّ من حسن عمله، ولا يكره أن يطَّلع النّاس على السيِّئ من عمله، فإنَّ كراهته لذلك دليلٌ على أنه يحبُّ الزيادة عندهم، وليس هذا من علامات الصدِّيقين.

  1. (١) الأصل، ل: «وطن»، تصحيف. ش: «مواطن».
  2. (٢) أسنده القشيري (ص ٤٨٥).
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٤٨٥).
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٤٨٥).
  5. (٥) «القشيرية» (ص ٤٨٦).
  6. (٦) «القشيرية» (ص ٤٨٦).
  7. (٧) كما في «القشيرية» (ص ٤٨٦)، ولم أجده في كتبه المطبوعة.
  8. (٨) ل، ش: «إصلاح».
640

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي