مدارج السالكين

وقال الجنيد ﵀: حقيقة الصِّدق: أن تصدق في موطنٍ١ لا ينجيك منه إلَّا الكذب٢.

وقيل: ثلاثٌ لا تخطئ الصّادق: الحلاوة، والهيبة، والملاحة٣.

وفي أثرٍ إلهيٍّ: «من صَدَقني في سريرته صدقتُه في علانيته عند خلقي»٤.

وقال سهل بن عبد الله ﵀: أوَّل خيانة الصِّدِّيقين: حديثهم مع أنفسهم٥.

وقال يوسف بن أسباطٍ ﵀: لأن أبيت ليلةً أعامل الله بالصِّدق أحبُّ إليَّ من أن أضرب بسيفي في سبيل الله٦.

وقال الحارث المحاسبيُّ ﵀٧: الصادق هو الذي لا يبالي لو خرج كلُّ قدرٍ له في قلوب الخلق من أجل صلاح٨ قلبه، ولا يحبُّ اطِّلاع الناس على مثاقيل الذَّرِّ من حسن عمله، ولا يكره أن يطَّلع النّاس على السيِّئ من عمله، فإنَّ كراهته لذلك دليلٌ على أنه يحبُّ الزيادة عندهم، وليس هذا من علامات الصدِّيقين.

  1. (١) الأصل، ل: «وطن»، تصحيف. ش: «مواطن».
  2. (٢) أسنده القشيري (ص ٤٨٥).
  3. (٣) «القشيرية» (ص ٤٨٥).
  4. (٤) «القشيرية» (ص ٤٨٥).
  5. (٥) «القشيرية» (ص ٤٨٦).
  6. (٦) «القشيرية» (ص ٤٨٦).
  7. (٧) كما في «القشيرية» (ص ٤٨٦)، ولم أجده في كتبه المطبوعة.
  8. (٨) ل، ش: «إصلاح».
640

وفي هذا نظر، لأنَّ كراهته لاطِّلاع الناس على مساوئ عمله من جنس كراهته للضرب والمرض وسائر الآلام، وهذا أمرٌ جبليٌّ طبعيٌّ، ولا يخرج صاحبه عن الصِّدق، لاسيَّما إذا كان قدوةً متَّبعًا، فإنَّ كراهته لذلك من علامات صدقه، لأنَّ فيها مفسدتين: مفسدةَ ترك الاقتداء به واتِّباعه على الخير وتنفيذه، ومفسدةَ اقتداء الجهَّال به فيها. فكراهته لاطِّلاعهم على مساوئ عمله لا تنافي صدقه، بل قد تكون من علامات صدقه.

نعم، المنافي للصِّدق: أن لا يكون له مرادٌ سوى عمارة حاله عندهم، وسكناه في قلوبهم تعظيمًا له١. فلو كان مراده ذلك تنفيذًا لأمر الله، ونشرًا لدينه٢، ودعوةً إلى الله= فهذا الصَّادق حقًّا، والله يعلم سرائر القلوب ومقاصدَها٣.

وقال بعضهم: من لم يؤدِّ الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقَّت.

  1. (١) بنحوه قال الحارث نفسه في «الرعاية» (ص ٢٧٩)، قال: «الصادق إذا بُلي بالذنب تستَّر لذلك حياءً لغير طلب الرياء، ولِما جاء عن الله أنه لا يحب إظهار المعاصي ... والمرائي إنما يستر ذلك ليُحمَد على الورع وليس بورِع».
  2. (٢) زاد في ع: «وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر».
  3. (٣) زاد في ع: «وأظن أن هذا هو مراد المحاسبي بقوله: (ولا يكره اطلاع الناس على السيئ من عمله عندهم)، فإنهم يرون ذلك فضولًا ودخولًا فيما لا يعني، فرضي الله عن أبي بكر الصديق حيث قال: (لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، واللهِ لو منعوني عناقًا ــ أو عقالًا ــ كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم عليه)، فهذا وأمثاله يعدونه ويرونه من سيئ الأعمال عند العوام والجهال». والظاهر أنها حاشية لبعضهم دخلت في المتن خطأً. والغريب إثباته في طبعة الصميعي، ولم ينتبه المحقق أنه ليس في نسخة حلب (ل) التي اتخذه أصلًا ولا في نسخة شستربيتي (ش).
641

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي