مدارج السالكين

يدُ التفريط والإضاعة، ويستردُّ منه ما سرقته يدُ اللصوص والسُّرَّاق١، ويستفرغ منه ما ملأته موادُّ الأخلاط الرديَّة الفاسدة المترامية إلى الهلاك والعطب، ويداوي منه الجراحات التي أصابته عند الغارة عليه٢، ويغسل منه الحوبات والأوساخ التي تراكبت عليه على تقادم الأوقات، حتَّى لو اطَّلع عليه لأحزنه سوادُه ووسخه الذي صار دباغًا له، فيطهِّره بالماء البارد٣ قبل أن يكون طهوره بالحميم٤، فإنَّه لا يجاور الرّحمن قلبٌ دنسٌ٥ أبدًا، ولا بدَّ من طهورٍ، فاللبيب يؤثر أسهل الطَّهورين وأنفعهما. والله المستعان.

قوله: (وعلامة هذا الصادق٦: أن لا يحتمل داعيةً تدعو إلى نقض عهدٍ)، يعني: أنَّ الصادق حقيقةً هو الذي قد انجذبت قوى روحه كلُّها إلى إرادة الله وطلبه، والسَّير إليه، والاستعداد للقائه. ومن هذه حاله لا يحتمل سببًا يدعوه إلى نقض عهده مع الله بوجهٍ.

وقوله: (ولا يصبر على صحبة ضدٍّ)، الضِّدُّ عند القوم هم أهل الغفلة

  1. (١) ع: «ما نهبتْه أكف اللصوص والسرَّاق»، ثم زاد: «ويزرع ما وجده بَوْرًا من أراضيه، ويقلع ما وجده شوكًا وشبرقًا في نواحيه».
  2. (٢) ع: «الجراحات التي أصابته مِن غارات الرياء». قوله: «غارات» هكذا استظهرته، وإلا فرسمه «عرات» مهملًا غير منقوط.
  3. (٣) زاد في ع: «من ينابيع الصدق الخالصة من جميع الكدورات».
  4. (٤) ل، ج، ن: «بالجحيم»، وإليه غيِّر في الأصل. وفي ع جمع بينهما: «بالجحيم والحميم».
  5. (٥) زاد في ع: «بأوساخ الشهوات والرياء».
  6. (٦) الأصل، ش: «الصدق»، وقد سبق على الصواب قريبًا.
644

وقطَّاع طريق القلب إلى الله. وأضرُّ شيءٍ على الصادق صحبتهم، بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدًا، إلَّا جمعَ ضرورةٍ، وتكون صحبتهم له١ بقالبه وشبحه، دون قلبه وروحه. فإنَّ هذا لمَّا استحكمت فيه الغفلةُ كما استحكم الصِّدق في الصّادق= أحسَّت روحه بالأجنبيَّة التي بينه وبينه والمضادَّة، فاشتدَّت النُّفرة٢. وبحسب هذه الأجنبيَّة وإحساس الصادق بها تكون نفرته٣ عن الأضداد.

فإنَّ هذا الضدَّ إن نطق أحسَّ قلبُ الصادق أنَّه نطق بلسان الغفلة والرِّياء والكبر وطلب الظهور٤، فنفر قلبُه منه. وإن صمت أحسَّ قلبُه أنَّه صمت على غير حضورٍ وجمعيَّةٍ على الله، وإقبالٍ بالقلب عليه، وعكوف السرِّ، فيفر منه أيضًا. وقلب الصّادق قويُّ الإحساس، فيجد الغيريَّة والأجنبيَّة من الضدِّ، ويَشَمُّ القلبُ القلبَ كما يشمُّ الرائحة الخبيثة، فينزوي وجهه لذلك، ويعتريه عُبوسٌ، فلا يأنس به إلَّا تكلُّفًا، ولا يصاحبه إلَّا ضرورةً، فيأخذ من صحبته قدر الحاجة، كصحبة من يشتري منه، أو يحتاج إليه في مصالحه٥.

قوله: (ولا يقعد عن الجدِّ بحالٍ) يعني: أنَّه لمَّا كان في طلبه صادقًا مستجمع القوة، لم يَقعُد به عزمه عن الجدِّ في جميع أحواله، فلا تراه إلَّا جادًّا، وأمره كلُّه جدٌّ.

  1. (١) زاد في ع: «في تلك الحال».
  2. (٢) زاد في ع: «وقوي الهَرَب».
  3. (٣) زاد في ع: «وهربه».
  4. (٤) سقط «وطلب الظهور» من ع، وزاد مكانه: «ولو كان ذاكرًا أو قارئًا أو مصلِّيًا أو حاجًّا أو غير ذلك».
  5. (٥) زاد في ع: «كالزوجة والخادم ونحوه».
645

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي