وقطَّاع طريق القلب إلى الله. وأضرُّ شيءٍ على الصادق صحبتهم، بل لا تصبر نفسه على ذلك أبدًا، إلَّا جمعَ ضرورةٍ، وتكون صحبتهم له١ بقالبه وشبحه، دون قلبه وروحه. فإنَّ هذا لمَّا استحكمت فيه الغفلةُ كما استحكم الصِّدق في الصّادق= أحسَّت روحه بالأجنبيَّة التي بينه وبينه والمضادَّة، فاشتدَّت النُّفرة٢. وبحسب هذه الأجنبيَّة وإحساس الصادق بها تكون نفرته٣ عن الأضداد.
فإنَّ هذا الضدَّ إن نطق أحسَّ قلبُ الصادق أنَّه نطق بلسان الغفلة والرِّياء والكبر وطلب الظهور٤، فنفر قلبُه منه. وإن صمت أحسَّ قلبُه أنَّه صمت على غير حضورٍ وجمعيَّةٍ على الله، وإقبالٍ بالقلب عليه، وعكوف السرِّ، فيفر منه أيضًا. وقلب الصّادق قويُّ الإحساس، فيجد الغيريَّة والأجنبيَّة من الضدِّ، ويَشَمُّ القلبُ القلبَ كما يشمُّ الرائحة الخبيثة، فينزوي وجهه لذلك، ويعتريه عُبوسٌ، فلا يأنس به إلَّا تكلُّفًا، ولا يصاحبه إلَّا ضرورةً، فيأخذ من صحبته قدر الحاجة، كصحبة من يشتري منه، أو يحتاج إليه في مصالحه٥.
قوله: (ولا يقعد عن الجدِّ بحالٍ) يعني: أنَّه لمَّا كان في طلبه صادقًا مستجمع القوة، لم يَقعُد به عزمه عن الجدِّ في جميع أحواله، فلا تراه إلَّا جادًّا، وأمره كلُّه جدٌّ.
(١) زاد في ع: «في تلك الحال».
(٢) زاد في ع: «وقوي الهَرَب».
(٣) زاد في ع: «وهربه».
(٤) سقط «وطلب الظهور» من ع، وزاد مكانه: «ولو كان ذاكرًا أو قارئًا أو مصلِّيًا أو حاجًّا أو غير ذلك».
(٥) زاد في ع: «كالزوجة والخادم ونحوه».
فصل
قال١: (الدرجة الثانية: أن لا يتمنَّى الحياة إلا للحقِّ، ولا يشهد من نفسه إلا أثر النُّقصان، ولا يلتفت إلى ترفيه الرُّخص).
أي لا يحبُّ أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه، ويقوم بعبوديَّته، ويستكثر من الأسباب التي تقرِّبه منه٢، كما قال عمر بن الخطاب ﵁: لولا ثلاثٌ في الدنيا لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة اللَّيل، ومجالسة أقوامٍ ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر٣. يريد ﵁: الجهاد، والصلاة، والعلم٤. وهذه درجات الفضائل، وأهلها هم أهل الزُّلفى والدرجات العالية.
وقال بعض الصحابة ﵃٥ عند موته: اللهمَّ إنَّك تعلم أنِّي لم أكن أحبُّ الدنيا لغرس الأشجار ولا لِكَرْي الأنهار٦، وإنما كنت أحبُّها
(١) «المنازل» (ص ٤٣).
(٢) ع: «تقربه إليه وتُدنيه منه»، ثم زاد: «لا لعلَّة من علل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها».
(٣) أخرجه ابن المبارك في «الجهاد» (٢٢٢) وعبد الله بن أحمد في زوائد «الزهد» (ص ١٤٥ - ١٤٦) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٥١) بنحوه، ورجاله ثقات. وروي نحوه عن أبي الدرداء أيضًا، أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (٢٧٧) وكذا أحمد (ص ١٦٨ - ١٦٩) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢١٢) وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٤٧/ ١٥٩ - ١٦١) من طرق عنه.
(٤) ع: «والعلم النافع».
(٥) ع: «معاذ ﵁».
(٦) ع: «أحب البقاء لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولا لنكح الأزواج».